الحناء.. تراث، وزينة، وعلاج
أحمد الشمر - 23 / 2 / 2011م - 9:19 ص - العدد (17)

عُرف الحناء في معظم البلدان العربية منذ القدم، وإن كنا لا نعرف تاريخاً محدداً لدخوله أو زراعته عربياً، ولكنه بقي كأثر من المأثورات الشعبية التقليدية المتداولة أو المستعملة على الصعيدين الشعبي والاجتماعي، وهو بالتأكيد يعد من أقدم وسائل مستحضرات التجميل والفرح التي عرفها الإنسان العربي على الإطلاق.

وبقى شيوع تداول الحناء مستمراً على نطاق واسع، وعلى مستوى أغلب الطبقات الاجتماعية والشعبية العربية، ليصبح كرمز من الرموز المعبرة لجمال المرأة والرجل أحياناً في شتى المناسبات، وخاصة الأفراح والزواج والأعياد.

ورغم أن العرب لم يعرفوا زراعة الحناء بمعناه كصناعة، إلا أنه ظل كأحد أقدم وسائل الزينة والجمال الطبيعيين زهيدة التكلفة، بجانب تعدد وتنوع استعمالاته الأخرى في مجالات كثيرة.

الحناء عبر التاريخ

وجاء الحناء مدوناً ضمن حضارات بعض الشعوب، كالفينيقية والآشورية والفرعونية بجانب الحضارة العربية والإسلامية، وقد روى "ابن ماجة" في سننه أن الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه وآله وسلم إذا صدع غطى رأسه بالحناء، ويقول إنها نافعة بإذن اللَّه من الصداع.

كما يقول "ابن القيم" عن الحناء: الحناء بارد في الأولى، يابس في الثانية، وأعضاؤه مركبة، ومن منافعه أنه محلل نافع من حرقة النار، وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به، كما ينفع إذا مضغ من قروح الفم.

ومن أشهر من استعمل الحناء في التاريخ من النساء ومن آلاف السنين الملكة المصرية "كيلوباترة" كما استعملته الملكة المصرية "شجرة الدر".

واستعمله المصريون القدماء في تحنيط "مومياتهم" ودهن مركباتهم لمنع السوس من التسرب إلى الخشب.

أما أشهر البلدان التي تقوم بزراعة شجرة الحناء مصر والشام والمملكة واليمن والسودان والعراق والهند وإيران. ومن أفضله الحناء المدني والشامي والبغدادي.

الحناء زينة ودواء وصناعة حديثة

دخلت عناصر ومركبات ورقة الحناء منذ عهود قديمة إلى جانب استعمالاته التقليدية المعروفة في الزينة. دخلت في مجال الصناعة، والتداوي والاستشفاء لعلاج الكثير من الحالات المرضية. منها أمراض الصداع وأمراض الصفرة والجرب وعلاج الجروح والحروق وسائر الأمراض الجلدية، إضافة إلى استخداماته أيضاً لعلاج تقوية الشعر وتغذيته، وضد أمراض الوهن والتدهور والتقصف والتساقط، وتشقق الجلد، وذلك لما يحويه من بروتينات منشطة، حيث تؤكد الأبحاث الحديثة احتواءه على نسبة مرتفعة من المواد الملونة، والمادة القابضة التي تسمى(الناتين) كما تتميز أوراقه بنسب عالية من تلك المواد.

ونتيجة لهذه المنافع دخلت عناصر الحناء كذلك الكثير من المراكز والمختبرات العلمية والطبية الحديثة، وأصبح تركيبه يدخل في نطاق هذا التحديث بهذه المعامل والمراكز في تصنيع الأدوية الصالحة لعلاج الأمراض، ومجال الصناعة مثل مستحضرات التجميل وصباغة الشعر، وصناعة النسيج، وتحضير العطور، ودباغة الجلود، وتلوين الصوف والقطن، وتزيين الأثاث والخشب والخيزران وباعتباره مادة طبيعية أفضل من المواد الكيماوية.

ولون الحناء الأصلي هو أخضر. أما أوراقه فتشبه أوراق شجرة الزيتون، ولونها يميل للون البني بينما أزهارها بيضاء اللون، فيما يبلغ طول شجرة الحناء من (10 - 12) قدم، وتزرع في جميع الأراضي الصالحة للزراعة.

وبالنسبة للون صبغ الحناء فهما اللون الأحمر الفاتح واللون الأسود.

أما طريقة استعماله فهي أن تأخذ أوراقه وتجفف ثم تطحن، ويضاف إليها قليل من الليمون والملح لزيادة التماسك والثبات إضافة إلى الماء، ثم تكون على شكل عجينه لينة يصبح الحناء بعد ذلك جاهزاً للاستعمال، فيكون لونه في هذه الحالة لوناً أخضر، وله رائحة عطرية فواحة جميلة.

الحناء في التراث الشعبي

أما حضور الحناء في التراث الشعبي، فهو من أهم الرموز الجميلة التي تناقلتها المرأة على امتداد العصور كما تقدم، للتعبير من خلاله عن مكامن أفراحها وبهجتها وسعادتها، وكمظهر جمالي يضفي على ملامح المرأة مسحة ضافية من الروعة والجاذبية الأخاذة والجمال.

وفي أغلب مناطق الخليج والجزيرة العربية هناك لوحات شعبية جميلة عن مظاهر زينة المرأة بالحناء، والتي تتميز فيها المرأة بالمهارة والخبرة في فنون استعمالات تشكيلاته ونقوشه وزخرفته للمرأة وللأطفال في مواسم الأفراح والأعراس والمناسبات السعيدة

ليلة الحناء

ولأهمية الحناء عند المرأة العربية اعتبر رمزاً من الرموز المعبرة عن فرحها وسعادتها في ليلة زفافها، وبات له ليلة مخصصة تسمى "ليلة الحناء" تتهيأ فيها العروس للحناء.. وقد أصبحت هذه الليلة معروفة في معظم بلدان الخليج.. وتقوم خلالها الخاضبة أو كما تسمى "الحناية" وهي في العادة امرأة متخصصة ولديها معرفة ومهارة عالية بطبيعة الحناء وفنون الزخرفة والزينة ورسم الخطوط والتشكيلات الجميلة التي تقوم برسمها ونقشها وزخرفتها وتشكيلها بطريقة هندسية وزخرفية بارعة في الإبداع والجمال على يدي وقدمي العروس.

كما تقوم "الحناية" في مثل هذه الليلة بالحناء لأقارب وصديقات العروس وزوارها من النساء والفتيات والأطفال من (البنات) لإبداء مظاهر المشاركة في أفراح ومسرات العروس وأفراد أسرتها، وتعبيراً عن مشاعر الحب والمؤاخاة في هذه المناسبة السعيدة.

الحناء مستحضر تجميل عالمي

وقد أظهر بعض الباحثين مؤخراً اهتماماً بهذا المنتج "الشرقي" وبدأ في دراسة فوائد وخاصية الحناء.

وهو أحياناً يحل محل "الوشم" الذي كانت تلجأ إليه المرأة الغربية إضافة إلى الرجل.

370517