صائد الوهم
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 1:41 م - العدد (1)


 

حين يزداد الحنين الى الأرض نرتبط بالماضي فيكون جزءً منّا.

وحين نغرق في عشق الماضي لا نقدر على التكيّف مع الحاضر ، فنفقد أداة الإتصال.

الزمن لوحده ـ وبدون عوامل أخرى ـ كاف لأن يغيّر البشر وما حولهم ، ولكننا لا نستطيع استكناه مدى التحول إلا بعد أن نطلّ من نافذة ماضي الحنين الى الحاضر.

وحينها تتملّكنا الدهشة وتحتلّنا.

حينها نقدّم مراثينا للماضي !
 

 

على حين غفلة من التاريخ ، وأمام ناظر جميع أبناء القرية.. وصل الى داره ليلاً ، آخر الليل. وقابلهم نهاراً في رابعة النهار.

وبين الليل والنهار اصطاد وهماً ، أو اصطاده الوهم، لا فرق.

القرية الغافية في قصي الأرض ، تموج بالخلافات والنزعات السياسية ، الفكرية .. يحسبُ اللاعبون فيها لفرط عُظم حدّته أن الكون كلّه يدور حولهم. قليلٌ منهم اكتشف متأخراً أن المتنافسين إنّما يرقصون على أسرّتهم! بعيدين عن حركة التاريخ ومجراه الطبيعي.

ارتدّ العائدُ بانفتاح شهية الى الخلف .. التجأ الى التاريخ ، فهو ككل الشرقيين يعيشون الماضي ، وينغمسون في تفاصيل الحياة كلّما قَسَت عليهم. وخلال ساعات فحسب، هي المسافة بين منتصف الليل والساعة الأولى لطلوع الشمس، حدث انقلاب عسكري في داخله.

كلا هذه ليست بلدته ، ومن سلّم عليه ليسوا أصدقاءه، إنه لا يكاد يعرف واحداً من عشرين منهم.

والأرض ، ليست هي التي تمنّى أن يعفّر خدّه بترابها.

والهواء الملوّث بكل أمراض النفس البشريّة والذي يكفي لقتل أيّ همّة وخنق كل إبداع ، ليس هو العطر الزكي الذي جاء على أمل ملء رئتيه منه.

بدَت الشوارع ضيّقة في ناظرية. هل كان ذلك بسبب خياله المتسع الذي عاشه قبل أن ينام التاريخ ؟!

أم كان بسبب نظرته الصغيرة الضيقة للأشياء والتي حملها معه الى المستقبل ؟!

ربما أحدهما أو كليهما.. ولكن لِمَ هذه الوحدة القاسية، هذا العبوس وذلك السخط المتعاظم الذي يغلّف الناس والأشياء ؟.

ثم أين هي القرية ؟

لقد ضاعت منه بمجرد أن دخلها..

كانت حلماً جميلاً عاشه لسنوات طويلة..

مدارج الصبا وملاعب الطفولة أضاعها .. لقد دُمّرت عن بكرة أبيها ، وقامت الى جانبها أو مكانها غابات مسلّحة لا يشعر بأيّ انتماء اليها .

شعر العائد العائذ بالتاريخ والماضي بغربة قاتلة ، رغم كثرة البشر ، وأدعياء الصداقة. كان يطوف بتلك الغابات المسلحة وكأنه في بلد أجنبي.

وكان يقابل الوجوه الغريبة بحزن.

لقد مُسخت القرية ، وتشوشت صورتها الجميلة البديعة في ذاكرته.

خشي أن تحتل الغابات المسلّحة والشوارع الفسيحة الجديدة، المواقع المثلى في ذاكرته الحادّة التي هامت ببيوت الطين والأزقّة المظلمة والتراب الناعم.

خشي أن تضيع صورة العلاقات الإجتماعية الطيبة بين أطنان من الهراء والتملّق والإبتسامات المصطنعة والولائم التي لا تعني أكثر من عروضات للوجاهة .. لا تستطيع أن تولّد شعلة في القلوب المتنافرة.

هذه هي القرية إذن !

لشدّما تغيّرت وتغيّر ناسها !

التفتَ الى نفسه.. هل يكون من المعقول أنّه هو الذي تغيّر ، وليست الأشياء والناس الذين حوله؟.

سؤال منطقي !

أيجوز أنه حلم كثيراً بأن يرتمي في أحضان الماضي، سنوات عديدة الى الوراء، وحين لم يجد ما يحنّ اليه .. بكى وتألّم ؟!

كيف يريد أن تتوقف الحياة حين ترك القرية لتدبّ فيها من جديد حين يعود هو؟

القرية تغيّرت شكلاً ومحتوىً ، وما كانت لتتغيّر وتصبح مدينة يرفض أن يعترف بها إلاّ بعد أن تغيّر أهلها.

ما حدث من تبدّل على الأرض مجرّد انعكاس لما تغيّر من فكر وثقافة في أذهان الناس.

هكذا فكّر في الأمر كلّما قلّبه على وجوهه المتعددة.

والآن، لم يبق أمامه إلاّ الذكرى.. هناك يمكن أن يجد ما افتقده.

كانت القرية، مجرد بيوتات قليلة من الطين، تفصلها عن بعضها أزقّة ضيّقة. لا ماء ولا كهرباء، ولا لونٌ أخضر.

واليوم، خلعت عن نفسها رداء الفقر، وارتدت فراء الغنى مقلوباً. نسيت تواضعها فأضحى البطر يجلّلها من أعلاها الى أخمص قدميها.

قالوا أن المال كان تحت رجليها، فجيء به اليها زوجاً يعمرها.

وقيل أن فوهات الأنابيب قد سلّطت على صحرائها لتملأها خضرة وماءً عذباً وزيتاً يضيء السماء.

تسحرك في ليلها بأنوارها، فكأنك في لوس أنجليس. وفي الصباح تعود الى حجمها الطبيعي: مجرد غابة منوعة الأحجام والألوان من المجسّمات الصامتة المسلحة، تكاد روحها تنطفيء أو تزهق بين جنباتها. كأنّها ميتة متصلّبة لولا تدفق عروقها بالمركبات.

لقد أضاعت القرية شجاعتها وألفتها وغير قليل من إيمانها.

لقد استبدلت نفسها، وأضاعت ذاتها الصحيحة ؟.

فأين يجدها ؟.

358520