حين غنت الزرقاء…
قراءة نقدية في ديوان: أين اتجاه الشجر؟ للشاعرة ثريا العريض
الدكتور محمد رحومة * - 23 / 2 / 2011م - 10:46 ص - العدد (17)

الدكتور محمد رحومة

عميد كلية الدراسات العربية جامعة المنيا، وأستاذ الأدب الحديث والنقد بكلية الآداب بالرياض.


عربية أنت يا سيدتي!! ويسكنك الحلم النبيل. جئت إلينا يا زرقاء تحذِّرين، وتصرخين. رأيتِ ما لا يراه الغافلون، وكلنا غافل أو متغافل، يهرب من المصير، يفقأ عينيه كي لا يرى الأشجار تتحرك منذرة بالخطر القادم، يصمُّ أذنيه عن سماع الآخرين، وكلنا يعجبه صوته، كلنا نتكلم سيدتي، وتساوى الصّفير والنفير، كلنا حققنا إنجازاتنا، وصنعنا آمالنا في كلمات ولا أحد يهتم بالمصير!!

عربية أنت يا سيدتي جئت تفتحين جراحنا، وتنكئين قلوبنا الثكلى، توجعين وتفجعين!! جئتِ سيدتي تصيخين السمع إلى صوت الضمير، تعلّمين أمتك العربية معنى اليقظة الجارحة، ومعنى البوح الجارح..

هذه هي الشاعرة ثريا العريض التي تعرفت إليها من ديوانها (أين اتجاه الشجر؟).

وإذا بشعرها يبوح برؤى فنية جديدة، وإذا بي أمام ظاهرة تستحق الدراسة، فهي المرأة الواثقة من رؤيتها، القادرة على تحريك الضمائر، وإعادة نبضها حياًّ من جديد، هي تملك سحر الكلمة، ونقاء المعنى، وطفولة الحرف. استولدت معانيها من معاناة حقيقية عاشتها كامرأة عربية تفتش عن أحلام الوطن، وتنقش صوراً محمّلة بالبراءة، بالطهارة، بالأمل الجديد الذي لن يموت أبداً مادام الإنسان يحيا فوق الأرض. يسعى إلى الخير، ويحمل في أعماقه الأمانة التي كلفه بها اللَّه عزّ وجلّ.

ولما كان هذا الديوان يمثل قمة النضج الشعري للشاعرة ثريا العريض - فهو آخر أعمالها - استوجب ذلك منّا دراسة متأنية لهذه التجربة الفنية الثرية التي تطالعنا في ثلاث عشرة قصيدة، أولها افتتاح موجه إلى الإنسان لتسأله الشاعرة: هل تشتاق إلى الفجر؟! هل تبحث عن الأمل؟! إذن اقرأ كلماتي لعلك تعثر على أحزان إنسان مثلِك ترى نفسك فيه، وتلتقي أحلامكما معاً. وآخر قصائد الديوان: النداء، نداء زرقاء اليمامة أخت ثريا العريض التي أعارتها عيونها ولسانها، وطلبت منها أن تصرخ باسمها محذِّرة من الخطر الداهم، والتشرذم القائم، حالمة بالمستحيل، بموسم الشجر والمطر.

وهذه الدراسة تعالج موضوع الصورة الشعرية وتكوينها ومفرداتها لدى الشاعرة، وتتعدد عناصر الصورة بتعدد أبعاد الرؤية، وهي -كما في الديوان - ثلاثية الأبعاد: المرأة. البوح. الصوت. وفي العنصر الأول سوف نجد الشاعرة تتحول إلى الزرقاء، ترتدي أسمالها، وتستعير عينيها لترى بها الواقع المشوّه الذي تحذر منه، وتتلبس الشاعرة بالزرقاء، مرة هي ثريا بنت القرن، ومرات هي أمنا زرقاء اليمامة التي سمل الأعداء عينيها عقاباً لها على تحذيرها قومها. وفي الكشف عن عناصر التشكيل بالمرأة - الأنثى، سوف نعثر على الصورة الشعرية للأنثى في تشكيلاتها الجمالية، وعناصر رؤيتها للواقع من خلال مفردات المرأة وخصائصها.

                          ثريا العريض
المرأة
                          زرقاء اليمامة

ويأتي العنصر الثاني: البوح. ويستخدم البوح كشفاً تتوصل إليه الشاعرة، ورؤيا تكتنِزهها وحدها في كلمات، تصدرها إلينا بعد أن تعاين الواقع، وتستبصر هشاشته وسوداويته. وفي هذا العنصر توظّف الشاعرة - بمهارة - الصورة البصرية ومفردات العين والرؤية لتشكل بها على أرض الواقع عالماً مشوهاً، تقدمه إلينا بأمانة، من خلال رؤية فنية بالغة الدلالة، تظهر فيها مهارة التلوين بالعين، والتشكيل بالبصر:

 

                                        رؤيا الواقع المشوه = التخدير
بوح
                                      تشكيل العين (الصورة البصرية)

 

أما العنصر الثالث والأخير، فهو هدف الديوان الذي تسعى إليه الشاعرة. أن يصل صوتها إلى كل إنسان. فهو النداء. ويستدعي النداء -الصوت عملية معقدة لفرز الأصوات حيث الكل يتكلم، والكل ينادي، ولا أحد يسمع حتى أصبحت الحروف التي تلعب في حلوقنا، وتعبث في مصائرنا؛ مجرد خواء لا عمل. قرقعة جوفاء ولا أمل. ونتوقف مع الصورة السمعية التي مارستها الشاعرة من خلال هذا العنصر الأخاذ لنرى ملامحها، ونقوِّم دورها في البناء الغني للقصيدة، وضد الصوت الخائر؛ توقفت الشاعرة مع تجربة الصمت، وكان جديداً أن نعثر على مظاهر أخرى أسميتها: التشكيل بالصمت:

 

                                    النداء
صوت
                                    الصمت

 

وفي الصفحات التالية تفصيل لذلك..

أولاً: المرأة والتشكيل بالأنثى

تطل علينا ثريا العريض معلنة، بفخر، أنها امرأة. تتحدى الصمت، وترفض السكوت، تنتظر الجياد العربية التي تحلم بالمستقبل؛ لتحقق الآمال، ويحفل الديوان بتصوير المرأة في مراحل الحلم، والرؤيا، والنداء، وحيرتها بين البوح والصمت، ونعثر على الأنثى في المفردات وتشكيل الصورة الشعرية التي جاءت بها الشاعرة.

لا تخفى ثريا العريض الأنثى بل لعل ذلك موضع فخرها وأنها حفيدة الزرقاء، تستطلع بعيونها الصقرية آفاق المستقبل، وفي أول قصيدة، الفاتحة، نعثر على صورتها - الأنثوية، تبذلها أمامك تتيه بما تملكه امرأة عربية ترفض الوقوف في طابور النساء العربيات الأخريات اللاتي تعجبهن الماديات والظواهر من ملابس وعطور وموضات، ولكنها امرأة أخرى كل فخرها أنها تشعر بالقادم، تملك حلم الإفاقة، وحس التوجس من الآتي! تقول الشاعرة:

هل توجّست حلم الإفاقة - مثل اليمامة مشروخة الأجنحة-؟

وعانيت – مثل الفراشة قبل الولادة - تغريبة الشرنقة؟

هل تفيأت ظلاً من الحزن حين انتفضت صباحاً؟

سيفاً تبوَّأ عنقك.. خوفاً قراحاً..؟! (ص11)

تطل علينا الشاعرة هنا موجهة خطابها إلى الإنسان العربي تسأله إن كان قد شعر بما شعرت به، وهي تمتلك المعرفة التي أتاحت لها حلم الإفاقة، وتطلب من كل إنسان أن يصبح مثلها. هنا تصل الشاعرة إلى المرأة المثال التي لا بدَّ من تقليدها والتأثر بها. المرأة التي تمتلك الرؤية. إذن تغادر وظيفتها كامرأة عادية؛ تصبح مثل زرقاء اليمامة مهمتها التبصير والتحذير. والصورة هنا متخمة بالثقة بالنفس، والامتلاء بالزهو، إنها المرأة الفراشة التي استدعت صورة المرأة المخصبة التي تلد الحقائق وتعاني من مخاض الواقع بينما تعزف عن السعادة البلهاء، وتتجه إلى ظلال الأحزان تتفيأ تحتها آفاق المستقبل، وتستنبت جذور التمرد والرفض لتعلن بصوتها أنها ضد حركة البشر الذين تشغلهم توافه الحياة عن إدراك الواقع.

تأتي، المرأة، ثريا العريض إلينا على هودجها معلنة التحدي:

هودجي ما اهتدى بعد

منفذه للمدى مغلق..،

ما اهتدى بعد

درب انعتاق الخُزامى

بعيني امرأة تتحدى الشجر(ص17)

فالهودج الذي تعتليه يسير إلى طريق مغلق، ومن ثم تقرر التحدي، ويكون التحدي عن طريق البوح بالحلم، ثم إنها ليست ككل النساء:

هل خلتني جئت أعبر

مثل اليمامات للدوح

أم خلتني جئت أبحث في ظل دوحك

عن عاشق ومنازل؟(ص19)

لا، ليست منهن ولا مثلهن، فهي لم تخلق لهذه التفاهات، هدفها أكبر، ورؤيتها أشمل، وهودجها لا فارس يقوده، لأن الجميع قد صاروا عمياناً، وهي وحدها القادرة على الرؤية، هل تمتلك الشاعرة شيئاً من زهو المعرفة؟! لماذا جعلت من نفسها سيدة تختلف عن كل النساء؟! هل لأنها "تعرف"؟؟ في المعرفة حتفها إذن، وهي تدرك المصير، ولكنها شجاعة غير عابئة بالثمن، عليها أن تضحِّي من أجل وطنها، تقدم هذه المقاطع امرأة تتحدى المستحيل، وتمضي في طريقها غير عابئة بالآخرين. الصورة هنا تتشكل بالأنثى، الرؤية الفنية، والمفردات، والصورة الكلية. تصبح المرأة، إذن عنصراً تشكيلياً تنجح الشاعرة في اجتلائه وتعميق معانيه، والوصول به إلى جماليات جديدة متفردة لم نحصل عليها من قبل. إن شخصية الشاعرة موجودة، وذاتها خيوط تشد الحروف إلى عالمها فتخرج مصبوغة برؤيتها ملونة بألوانها هي، ولنتأمل صوت البكاء - على سبيل المثال - لتجد صوتاً نسائياً خاصاً بالشاعرة لا يشاركها فيه أحد في قولها: "لا يحتوي صوتي الغض نهنهة النوح".

يقدم الديوان صورة امرأة، تعتز بذلك، وتفخر بتكوينها، وتستقي صورها وجماليات الصياغة الفنية لبعض اللوحات من عالمها، عالم الأنثى التي تجيد الشاعرة التشكيل به.

ولأنها سيدة وشاعرة واثقة من أدواتها الفنية فإنها تلجأ إلى الأنثى في أعماقها، وليس معنى أنها ترى وتعلم وتوقظ الغافلين، ليس معنى ذلك أن تغادر أنوثتها وتصبح رجلاً، إن نجاحها في إتقانها لدور المرأة والمعلمة معاً، وتتكئ الشاعرة في مجمل ديوانها على ثلاث ظواهر للتشكيل بالأنثى.

(أ) الظاهرة الأولى: التشكيل بأدوات الزينة:

جريئة هي الشاعرة سواء قصدت ذلك أم تسربت هذه الصورة الشعرية من معجمها الأنثوي دون أن تشعر، فها هي الزينة لا تخجلها، وإنما تتخذ منها صوراً لتزويق كلماتها، وإثراء صورها. تقول الشاعرة:

المدى نقش امرأة لاسمها

في السطور التي سوف تأتي

منمنمة في الكهوف رقيقة

خطوطاً دقيقة..

مبتهجاً طائعاً، مثل حنّائها،

ومشتعلاً وهجا

لا يشي بالذي يتخبأ بين أناملها

..هي في النقش هاربةٌ تطلب الغوث

لاجئة من عصور الرماد

اقرأ الآن نقش الكفوف

وحدِّق

ترى وشمها

والأصول الوثيقة

فهي في النقش أصل الحقيقة..

كل الحقيقة..!

سفر مستمر..

وعمر يبادل أشواقها بحروف..

تكابد جمر انتفاءاتها في البلاد (ص20-21)

النقش الذي تعتز به الشاعرة هو حروفها - زينتها التي تتباهى بها على قريناتها. هذه الحروف المضيئة بالخير والحب والجمال منمنمة في الكفوف، لا تخفيها الشاعرة وإنما ترفعها في وجه الجميع، فحروفها ليست عورة، وكلماتها لابد أن تصل إلى الجميع، وتحدث التأثير المنشود، هذه الحروف مبتهجة مثل الحناء، ملونة بالأمل الذي يتراقص فوق الكف، ليست مجرد نقوش صماء عمياء؛ ولكنها حروف قادرة على التغيير والتأثير، وهدفها أن تعلن عن أحلامها خارجة عن عصور الرماد (وحدِّق ترى وشمها). إن كنت ممن يملكون الآذان الصاغية، والعيون المتحفزة فسوف تتفهم رسالتها إلى بني الإنسان، وخاصة الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج. إن هدفها كبير، وأملها أكبر من أن تحمله الكلمات، وهي لا تنكر أنها أنثى، بل على العكس يمدها قاموس الأنثى بجماليات أخرى تشكل منها رؤية أكثر عمقاً، تبهر بجدتها، وتُعجب بجرأتها فلا تملك أمام هذا الإصرار وذلك التحدي إلا أن تستجيب لعمق الصورة الراقدة خلف التزويق والتزيين الذي رسمته الشاعرة. إن هدفها ليس النقش والحناء والوشم، إنها نفس مفردات الأنثى، ولكن بمفهوم جديد يدخل بك عالم امرأة جديدة لها رسالة توجهها من خلال كلماتها إلى العالم.

نجحت الشاعرة، إذن، في استخدام أدوات جديدة أدخلتها إلى عالم الصورة الفنية، ساعدها حسها الأنثوي الذي أكدته ولم تهرب منه، بل كان معيناً لها في موهبتها الفنية، ولم يكن عائقاً يتطلب منها الجبن والخوف والخجل، ولتؤكد أنها تعتز بكونها امرأة، ومن هذا الموقع الذي خلقها اللَّه عليه تحارب الكسل والجهل والغفلة.

وهناك صورة أخرى مثل (نقش حنائها لوحته الشمس..) (ص106) وفيها توظيف آخر، بحس أنثوي، لصورة الطلول البائدة التي يجب ألا نستجيب لبكائها ونتوقف أمامها كالأوثان.

وتكفي هذه الأمثلة للدلالة على ما نقول:

ب- الظاهرة الثانية: الصورة وفكرة الإخصاب:

تحمل المرأة أقدس مهمة على سطح الأرض منذ خلقها اللَّه تعالى، ألا وهي المحافظة على النوع بالتكاثر والإخصاب الذي يعني استمرار الحياة. وجاء الوقت الذي يجب أن تفخر فيه المرأة بهذا الدور الذي كرّمها اللَّه به، والشاعرة تلتقط هذا المعنى وتدشنه في صورها، وتوظف مفرداته في شعرها؛ لتؤكد من جديد أنها امرأة تعتز بدورها، وقادرة على دور آخر هو التنبيه والتحذير والدعوة إلى الخير والحق، تقول الشاعرة:

وكلُّ الحوار هباء هباء

والزمان احتراق

فلماذا إذن نتناثر في الإرتطام شظايا..

وتبقى بنا تواريخ ذاكرة الرحم حقداً يراق؟

ولم سيوف؟

أنصنع طاغية من رغام اشتياقاتنا

ونصرخ حين يمزقنا في انتهاكاتنا

خدعنا.. خدعنا.. باسم الإخاء؟

لك الآن يوسف رؤيا الملايين

فسّر كوابيسها ومتاريسها

كم أخًا نحن؟ والرحم ينعى وشائجنا

كخيوط العناكب واهيةً

وأحزاننا تتوالد عاراً وحمقاً؟

والسنابل تحمل جدباً وموتاً.

لقد دخلت مفردة نسائية في تشكيل الصورة هنا، أضفت عليها بعداً جديداً. إن المأساة التي حدثت بين العراق والكويت وأحدثت الانقسام العربي كان من نتيجتها أننا نتناثر كل يوم إلى شظايا مع أننا - جميعاً - خرجنا من رحم واحد لأننا أبناء أمة واحدة. الشاعرة أمٌّ تساوي بين أبنائها، لا تفرق بين هذا وذاك الجميع سواء، تجمعهم الأخوة في الإسلام، والمعين الواحد في العروبة.

إن الصورة الشعرية السابقة تتمركز حول كلمة (ذاكرة الرحم) فقد جمعت في هذا الاستخدام كل مفردات الصورة المتنازعة (العراق - الكويت - باقي العرب) وفي استخدام آخر تبحث الشاعرة عن "يوسف" آخر كسيدنا يوسف يفسر الرؤى التي تزعجنا فنحن لا يمكن أن نعقل ما نراه، وتسأل الشاعرة: كم عددنا؟ ويأتي الجواب: الرحم ينفي وشائجنا، كخيوط العناكب واهية. هنا تكريس لتوظيف الأخوة التي لا تفيد ولا تنجح في إنقاذ الأوطان من الشرور والأحقاد، وتتوالى صورة الإخصاب: أحزاننا تتوالد، والسنابل تحمل جدباً، وتتعانق فكرة التوالد والحمل مع فكرة أبناء الرحم الواحد لتتآزر أطراف الصورة من جزئيات قاموس المرأة (الحمل - الولادة - الرحم) لتكون في النهاية صورة كلية كوّنتها أنثى تفهم دورها وتقنعنا فنياً بقدرتها على نسج خيوط الصور من مفرداتها الخاصة.

المرأة هنا هي الأم التي انصرف أولادها عنها غير طائعين لها ولا مقدرين لصلة الرحم بينهم، وهي تقف حائرة: ماذا تفعل؟! ولا تجد إلا الاستنجاد بنا طالبة منّا أن نعي - تماما - حقيقة (أخوة نحن - بئس الإخاء، وبئس النفاق). لقد أتاحت الأنثى - المرأة - الأم لمفرداتها أن تفجر معاني تصويرية جديدة مع أنها مفردات قديمة قدم الحياة نفسها، ولكن التشكيل الجديد يضعها في صورة جديدة.

وإذا كان الرحم يحمل الميلاد فإنه يحمل الموت أيضاً، تقول الشاعرة:

أرشُّ على الجرح ملحاً..

وناراً..

ويبقى النزيف

وطني.. وطني

دماً قانياً تتفجر

إذ تتوالد فينا البسوس (ص53)

إن البسوس - الشؤم - لا تلد إلا أجنة مشوهة لا نريدها، فالانقسامات بين العرب قد زادت عن حدها، والموت حينئذٍ أفضل من الحياة، ونحن نعاني الضعف والتخاذل والهوان، وفي الوقت الذي تخرج البسوس أبناء الشؤم يظل الوطن بلا إخصاب إذ تم إجهاض وإزهاق روح الأجنة الطيبة قبل أن تخرج إلى النور. هؤلاء الذين يقتلون الأمل في النفوس ويمنعون الشمس أن تشرق والنور أن يسطع

ذاك الذي يجهضون بوادره.. وطن

والذي يضرمون الهشيم المعدَّ لإحراقه.. وطن (ص55)

وتستعجل الشاعرة - في المقطع السابق - لحظة مولد البطل، تبحث عنه في وجوه الذين تراهم، وجوههم ممسوخة، وأحلامهم محددة، وآمالهم محصورة في توافه الأمور. أين البطل إذن؟ تسأل فاخته - المرأة العربية عن الذين ولدتهم أين ذهبوا فترد:

ليتني لم ألد

أسائل فاختة عن بنيها

فتهتف: يا ليتني لم ألد..(ص41)

إن الإخصاب هنا - بالرغم من وقوعه - إخصاب كاذب، لم يأت بالبطل المنتظر الذي نحلم به، ونساء العرب ينكرن ما أخرجته أحشائهن لأن الميلاد الصحيح لبطل سليم معافى من النقص يحقق الآمال.

وفي موضع آخر تكرر الشاعرة رفضها لهذا الإخصاب المشوّه، وتلجأ إلى الأم الكبرى، الأرض، تقول الشاعرة:

منذ ابتداء الدور

الأرض مفردة لم تهن

في صخب القارئين

بنيناها وقراً

وبانت بنا عقماً

فمن - حين نصطف والواقفين -

يضيء لنا حلماً لانعتاق الحوار؟

ومن؟

يولّدها وطناً وانبلاج زمن؟ (ص85)

الحاجة إلى الإخصاب الحقيقي، لميلاد بطل، ومولد وطن وبداية زمن هو أمل الشاعرة. والصورة هنا مفرداتها تتكئ على دور الأم، ومهمتها في ولادة بطل، ولكن الأم قد تكون عقيماً حتى حين تُخرج من أحشائها عشرات الأجنة، إنهم ليسوا البطل المفتقد، ليسوا الحلم المتوهج في أحلامنا. الشاعرة تتوقف بنا أمام ما يمكن أن يسمى هنا بالحمل الكاذب، وتستخدم ذلك استخداماً رمزياً رائعاً في الصورة السابقة.

وفي القصيدة نفسها - في موضع آخر - تكرر الشاعرة نفس المعنى: (من يولّدها مطلعاً لانبلاج نهاره) (ص87). فكرة الإخصاب، إذن، تدخل في تشكيل الصورة الشعرية لدى الشاعرة الأنثى.

جـ – الظاهرة الثالثة: التشكيل وشخصية المرأة:

غنية قصائد هذا الديوان بالصور الشعرية التي رسمتها أنامل امرأة، وحين ترسم المرأة بالكلمات فهي تكشف عن جوانب حياتها وخصوصيتها، وقد نذهب أبعد من هذا لنقرر أن قصيدة مثل: (غيرك ما كان) لا تقولها إلا امرأة. كل سطر شعري ينضح بتجربة امرأة، ويشي بخصوصية أنثى تستخدم مفرداتها وتمد يديها لتلتقط هذه المعاني كما لو كانت في متناول يديها، وكأنها تفتح حقيبة يدها وتأخذ منها شيئاً مما تريده. هذه القصيدة أحاول أن أقدم تحليلاً سريعاً لبعض مقاطعها، فهي في رأينا تؤكد هذه الظاهرة لدى الشاعرة، تقول القصيدة:

بيني وبينك يا وطني

ركام من الصمت والكلمات

وهذا الذي يتناوبنا هوساً وانشطاراً

بذاكرة الأغنيات

لغة رقيقه تطل عليك فجأةً: بيني وبينك يا وطني، إنها شاعرة امرأة لا تقيم الحواجز بين العواطف، نعم بينها وبين وطنها ركام من الصمت والكلمات، ولكننا نشعر بأن الوطن يجري في دمائها، وأنها لا تتحدث عن "غريب" عنها وإنما عن قريب إليها تستنطق منه المعنى، العتاب واللوم، ونمضي إلى مقطع آخر:

بيني وبينك

عاصفة الركض هاربة من صقيع الشتات

فكيف أعيشك؟

راقصة الخطو.. في لحظة البدء بالوعي

مذهلة نشوة الخطوات

وكيف أموتك؟

فاجعة عودتي للسبات..! (ص24)

في هذا المقطع تتضح نظرتنا أكثر، فالمرأة واقعة بين الحب والموت، حب الوطن واليأس منه، لننظر كيف تستجلب الصور الأنثوية الأخاذة، كيف أعيشك، ولم تقل كيف أعيش فيك لأن الوطن يرقد في أعماقها، إنها الأم، والوطن يسكن في أحشائها، ينتظر الميلاد (البدء بالوعي)، وتأتي مفردات (مذهلة. نشوة. راقصة الخطو. فاجعة. السبات) لتؤكد المفردات - كذلك -انحيازها إلى لغة المرأة ومفرداتها، إن الخطوات تنتشي مبشرة بالأمل القادم، ولكن فجأة لا يحدث الميلاد، وهنا تتساءل الشاعرة: وكيف أموتك؟ فهي صاحبة القرار الموت أو الحياة، وكانت العودة إلى السبات – الغفلة فاجعة تعطل حركة الحياة وتوقف الزمن، وكل هذا تفعله الشاعرة وكأنها ترسم للكون خارطة أخرى، طموح امرأة وغرور أنثى قادرة على صنع دنيا جديدة من مفرداتها هي.

نأتي إلى مقطع آخر:

مهما اعتذرنا عن الموت فيك

هذا الذي لا تقول.

ولا ترتضي أن يقال لنا

يستبيح شراييننا

وحين يضيعنا. حلماً نحتويك

نتوه بأرصفة الأغنيات

تخاتلنا وعيَنا

الأمنيات المليئة بالرمل والملح

نرفضها

لا نقايضها صخباً ناشزاً..

لا نقايضها

تراتيل امرأة

يعزف الصمت فيها انتشاء الحياة

تراتيل امرأة لم تكن قبل تعشق إلا المدى

ووجهك حين يخالسها الفجر نشوته

وطناً موسمي الندى

تفاجئها عازفاً وجع الصمت والذاكرة

وتربك عودتها للسبات (ص24-25)

هنا مفردات أنثوية جاهزة سحبتها الشاعرة من حقيبة يدها (يستبيح - نحتويك - تراتيل امرأة - انتشاء الحياة - تعشق - يخالسها الفجر نشوته) وهناك مفردات أدخلتها الشاعرة إلى حوزتها، وامتلكتها، وصيّرتها مفردات خصوصية تحمل شخصية المرأة وعاطفتها مثل (الموت فيك - حلم - نتوه - صخب ناشز - يعزف - موسمي - الندى - وجع - الذاكرة - تربك - عودتها - السبات) وغير المفردات الجاهزة والمصنعة أدخلت الشاعرة كل تلك العناصر وصنعت منها صوراً شعرية جزئية وكلية تشي هذه الصورة بتجربة المرأة ووجدانياتها، ولا تستطيع أن تقول هذا المعنى سوى امرأة تعرف معنى استباحة الوطن لشرايينها، وحتى حين يضيعنا الوطن بقسوته وظلمه، ولنتأمل تسامح المرأة وعاطفة الحنان المتوقدة فيها، حتى إذا رفضنا الوطن أو لفظنا فهو كائن فينا.. حلماً نحتويك.. والمعنى أن الوطن ليس حالة نعيشها، أو رداءً نرتديه أو نخلعه، ولكن الموت يسكن في شراييننا، وحتى عندما يقسو يصبح حلماً في أعماقنا. لننظر إلى معنى "الاحتواء" هنا. أليس هذا الاحتواء قريباً من مرحلة الحمل، حين يكون الجنين والأم كياناً واحداً، حين تفتقد الشاعرة الوطن تخرجه من أحشائها مرة أخرى، تلد وطناً آخر لأنها هي أمه، مصدر وجوده. إذن الشاعرة والوطن شيء واحد، هنا ساعدت تجربة المرأة وألفاظ الأنثى في تشكيل هذه الصورة الجديدة تماماً. ثم نتابع رحلة الشاعر بحثاً عن الوطن، هل ترضى الشاعرة بالوطن - الأغنية؟ إنها ترفض أن يتحول الوطن إلى مجرد أغنية تصرخ بها حناجرنا – نحبك يا وطن، ثم نكون قد أدينا دورنا نحوه. الشاعرة ترفض الصخب، تلك المعاني التي نلوكها من وقت لآخر ثم نمضغها دون أن تحرك فينا ضميراً، أو تحدث أثراً. الأغنية هنا تخدع وعينا، فليس حب الوطن أن نغني له بل أن نعمل ونكدح ونشقى.

إنَّ أغنياتٍ أمثال (نحبك أيها الوطن الغالي) قد تلعب دوراً عكسياً، إذ توهم الإنسان أنه قد أعطى وطنه وعمل ما عليه بعد أن يكتفي بترديد الأغنية الوطنية الجميلة التي تصادر وعينا وتنصب شرانق البلادة في حين يعمل الآخرون ويتقدمون وتنجح أوطانهم في أن تجد لها مكاناً تحت الشمس.

وتعود الشاعرة مرة أخرى إلى الأنثى. إن الوحيد القادر على بث الوطن مشاعر صادقة هي المرأة، هي الشاعرة لأنها تملك تراتيل الصدق، وتدق نواقيس الخطر، إن جملة "انتشاء الحياة" تؤكد قدرة المرأة على مواجهة العدم. أبداً لن يموت الوطن طالما هناك حياة وهناك سحر وانتشاء بهذه الحياة، المرأة وحدها تملك السلطة على هذا الانتشاء، وتملك توظيفه لصالح الوطن، لأنها تعشق الوطن، فهي تعطي. إن الوطن موجود فجأة بعد أن عانت الشاعرة مخاض الولادة، ومنحت الوجود وطناً قوياً قادراً.. لماذا؟

للحياة ولنشوتها جذوة في أعماق الشاعرة، وتذكرنا كلمة "موسمي" في السطر الشعري "وطن موسمي الندى" تذكرنا بموسم الإخصاب، وتستدعي صورة ما من صور الحمل الذي تعرف المرأة - المرأة وحدها - سره، كذلك تؤدي كلمة "الندى" دورها إذ تتعانق مع صورة الفجر بنشوته وهو يختلس البوح صورة الوطن، موسمي الندى، الوطن الولود الذي لا يموت أبداً. إنه باقٍ خالدٌ. وحين تستجلي الشاعرة بشاعة الواقع تعود من جديد إلى السبات في انتظار حمل آخر لبطل لابد أن تقدمه يوماً ما للوطن. كلمات الشاعرة تحمل أبعاد تجربة خصوصية المرأة ومن تمازجها مع الواقع والمحنة التي يحيا لها الوطن تخرج صورة جديدة.

ومن الطريف أن المفردات التي تكشف عن خصوصية المرأة في هذا الديوان من الكثرة بمكان، وهناك مشاهد شعرية تحتاج إلى وقفة أطول، وحين تقول الشاعرة:

ويذكرك القلب.. زرقاء..

موصومة في اليمامة

كثيرك ولولة في الخليج

وترجيع أصدائها في تهامة..! (ص35)

فأنت لا تجد مجهوداً في إدراك مفردة كاشفة هي "ولولة" وهي تمنح الصورة إحساساً عاطفياً نبيلاً. الولولة غير الأحزان، تشير إلى المفردة إلى أحزان ساخنة مستمرة دائمة، الولولة تكشف عن عمق المأساة، ولولا الأنثى التي التقطت هذا المعنى ما كان موجوداً في هذه الصورة، وهو يناسب تماماً ما يحدث الآن في بلداننا العربية حيث تصر إسرائيل على إذلالنا، وقمع الفلسطينيين، وترفض الإعتراف بحقوقهم. إن كل بيت عربي جدير أن يقيم مناحة فيه "الولولة" ما دمنا قادرين على الفعل.. الشاعرة تفضح عجزنا، ولا تملك إلا مشاعرها - البكاء الحار - إنها تريق دموعها ثمناً لإفاقتنا مما يدبَّر لنا. كلمة "ولولة" النسائية قامت بالدور المركزي للصورة الشعرية، وجمعت حولها هذه الرؤى، واستدعت هذه التفسيرات، ونجحت في تقديم صورة مدهشة.

وحين تقول الشاعرة:

لأقسم: غيرك ما كان..

غيرك ما كان.. يا وطني

فكيف تبعثرني،

برداً برداً؟ (ص26)

هنا نلمح قسماً نسائياً رقيقاً، إن التكرار يحمل الود والحنان أكثر مما يحمل القسم، غيرك ما كان.. ثم تكرر جملة.. غيرك ما كان.. يا وطني.. ثم تأتي إلى العتاب: فكيف تفعل بي كل هذا؟! إنه العتاب الحار بين حبيبين، الوطن والشاعرة، كلاهما لا ينكر الآخر، ولكنها ظروف قاهرة تفعل بها كل ذلك. إن الود باقٍ لدى الشاعرة، فليفعل الوطن ما يشاء فهو الغالي، وهو الباقي. القسم رقيق حنون ليس فيه من قسم الرجال غلظته وشدته وجديته، أما هذا القسم فإنه يشي بالدلال بين عزيزين لا يستطيع أحدهما أن يستغني عن الآخر. وتتضح كذلك خصوصية لغة النساء وشخصيتها المتفردة في هذا المقطع الجميل:

أحبك..؟ كل وجودي أنت!

بكل جفافك.. كل الغبار..

فيك العيون التي سكنتني تظل!

والوجوه التي سكبت بملامح وجهي

انعكاسات أشجانها.. لم تزل!

هموم الصغار..

غضون الكبار.. (ص46)

تمر الشاعرة بمرحلة وجد مع الوطن، فهو المعشوق الأول، وهنا تستدعي من ذاكرة الأنثى مترادفات الحب والعشق لتدشنها فوق الوطن، وتختزلها في لغة أنثوية في كل مفردة تقريباً، فالمرأة مفتاحها الحب، ولذا يأتي التصريح في بداية هذا المقطع: أحبك، والحب هو العطاء الوحيد الذي تستطيع المرأة أن تعطيه بمهارة، إنه من داخلها. لم يفرضه أحد عليها، ثم تقول: كل وجودي أنت.. لغة حارة لامرأة عرفت الحقيقة، وإنها لا تستطيع أن تعيش وحدها دون حب. دون وطن. دون عناء، فالوطن، أيضاً، هم وعطاء وهي قادرة على بذل الثمن، لذا فهي لا تريد تغيير خارطة الحبيب (الجفاف - الغبار) إنه حبيب وكفى.. والعيون هي أول مفاتيح الحب، والإشارة الأولى له، وهذا ما أكده المقطع. هذه العيون التي عشقت لأجلها وطن، تظل دائماً وأبداً باقية لا تموت بمرور الزمن فالحب باقٍ، وشيء آخر يأتي بعد العيون هي الملامح فحتى ملامحي - تقول الشاعرة - تدين للوطن. فالوطن إذا انقطعت عنه تموت. إن العلاقة بين الشاعرة والوطن ذات خصوصية كما ترى. ثم إن الحب هو الذي شكّل الصورة من بدايتها. لننظر مرة أخرى إلى هذا المقطع: (أحبك - فيك العيون - الوجوه سكبت - ملامح وجهي) ثم تأتي جملة هموم الصغار/ غضون الكبار، وهي تذكرنا بالأم التي تشكو من عبث صغارها، وشقاوة أولادها، أمٌّ مغلوبة على أمرها، تحبهم مهما فعلوا بها.. كل هذه المترادفات والاستدعاءات الأنثوية للمرأة والأم تقدمها الشاعرة في قصيدة حب الوطن فتنجح في تشكيل لغة خاصة بها تحمل شجنها ولوعتها، أنّاتها وأفراحها، لغة تتشكل داخلها، وتقدم نفسها لنا من خلالها.

وحين تستدعي الشاعرة من ذاكرة الطفولة صورة تقدمها لنا فإنها تحمل لنا صورة أم. تقول:

وأذكر.. بين طيوف الطفولة

كنت يوماً أطير

وللأفق صدر حنون

يهدهد صوتي

وللقلب نبض حنون

وخفق جناح!!

المفردات لأم تهدهد رضيعها فوق حجرها، والشاعرة أم، تقدم لنا صورتها حتى حين أرادت أن تعود إلى ذكريات الطفولة، فهي لا تنسى أنها امرأة، وأحلى لحظاتها هي تلك التي تمنح الوجود إنساناً جديداً طفلاً يحمل الخير والحب لبني البشر، والكلمات تتتابع. كل منها تستدعي الأخرى: (الطفولة تستدعي صدراً حنوناً - يهدهد صوتي - نبض - خفق - جناح)، وتنقل الكلمات كذلك لهفة تنعكس على تشكيل الصورة التي جاءت سريعة لاهثة حاولت فيها الشاعرة أن تستغل الموقف الدرامي للطفولة. تنقل لوحة من مخزونها. مخزون المرأة التواقة إلى منح العالم طفلاً جديداً، وهذا يعني المستقبل: العز الجديد والأمل الجديد.

وللشاعرة كذلك لوحات شعرية شكلتها من مفردات المرأة البسيطة التي توجد خلف جدران منزلها تهيئ لزوجها ولأولادها حياةً كريمة ميسرة، لنلتقط هذه الصورة الجديدة أيضاً:

تعثرت بالصمت

حين مددت يدي لأزيح الستائر

كان يحدق بي ساخراً وأراه

كالأفعوان الرهيب

- الذي في الطفولة أرقني -

يتربص بين الزوايا

وخلف انعكاس المرايا

لينسلّ بين الضفائر

وينفث من سمه في الشفاه (ص95)

هذه الصورة تساقطت على ذاكرة الشاعرة من تفاصيل الحياة اليومية. هي امرأة، وتستخدم تجربتها - حتى تلك البسيطة - في التعبير عما يعتمل في داخلها، لقد تعمدت - في ما يبدو - استعمال تلك المفردات، واستدعت تجربة سيدة تنشغل بأمور حياتها البسيطة كتنظيف بيتها مثلاً، وتصبح هذه التفاصيل الحياتية الباهتة حالة شعرية تنجح الشاعرة في تكثيفها وشحنها بالتوتر الشعري، ورغم بساطة المفردات، في الظاهر، إلا أنها لا تخلو من صعوبة. إن امرأة تواجه الصمت والفراغ

حين مددت يدي لأزيح الستائر

كان يحدق

وها هو الصمت يذهب إلى كل ركن من أركان البيت

بين الزوايا

خلف انعكاس المرايا

هذا العدو - الصمت - تعرفه الشاعرة، لقد جربته من قبل ولكنه يعود الآن أقوى وأكثر قدرة على الأذى، ذلك أن الشاعرة - المرأة - قد كبرت، وتمردت، ورفضت هذا الدور - الجارية - وحملت لواء الشعر، فأصبح لها رسالة ووظيفة تؤديها بحب لوطنها الغالي. ثم يتسلل الصمت فجأة ليصل إلى الضفائر وينفث سمه بين الشفاه، هذه التفاصيل الأنثوية تحمل خصوصيتها ومفرداتها في عملها المنزلي (تنظيف الستائر - زوايا - مرايا)، أو في خصوصياتها (ضفائر - شفاه)..

هذه هي لغة المرأة، وتلك مفرداتها. تستدعيها الشاعرة لتحولها إلى مفردات شعرية، ولكن يبقى صداها كاشفاً عن المصدر الأول الذي امتاحت منه هذه الصور. شخصية المرأة وحاجياتها واهتماماتها، وعندها تبلغ الشاعرة درجة كبيرة من النضج الفني، إذ إنها تستخدم مفرداتها هي، لا تزوق كلماتها ولا تزينها، ولكنها لا تخجل من تجربتها كأنثى لها قاموسها الشعري الأنثوي. ولقد غيّرت الشاعرة رأينا بهذه التجربة في موضوع الأدب النسائي، إذ إنها تثبت، في غير شك، أنه يوجد شعر للنساء لا يستطيع الرجال قوله، ولصدق الشاعرة مع نفسها، ولثقتها في أدواتها الفنية؛ استطاعت أن تنجز كل ذلك دون ضجة أو صراخ. لقد قالت: أنا هنا موجودة، أتحدى وأواجه دون أن تستعدي أحداً عليها، ومن الذي يرفض تحليق الفراشات الجميلة؟ وغناء الزرقاء؟

ثانياً: البوح.. الرؤيا

فتحت الشاعرة عينيها فجأة على الحقيقة المفزعة، رأت وعلمت وعرفت، فكان لا بد أن تحمل هم هذه المعرفة، أن تنقل النبوءة إلى الغافلين، وجدت الشاعرة عرباً يتصارعون، يتآكلون والعدو على الأبواب ينتظر اللحظة المناسبة كي ينقض على فلولهم الهاربة. من الذي يملك جرأة الصراخ في وجوهنا؟ من يوقظنا؟! من يحمل على عاقته سيف الكلمات ويقطع بها صمت الواقع؟. لا أحد يجرؤ أن يتكلم، نحن العرب أصحاب الأمجاد، ماذا ينقصنا؟ وهكذا نتعاطى الأكاذيب، ونمارس التيه، ونستسلم لخدر الهروب بحثاً عن سلام زائف يزيد من تشرذمنا. الشاعرة تعي الموقف الحضاري الذي يحياه العرب، ماذا نفعل لها هل تسكت؟! هل تنسحب إلى دارها تمارس الحياة العادية الزائفة. لقد وهبها اللَّه المعرفة، وألقى في قلبها نور اليقين. فلماذا لا تصدح بكلماتها، تغني لقومها، تصرخ أحياناً.

امتلكت الشاعرة عيني الزرقاء، جسارتها وجرأتها، ومن هذه الزاوية راحت الشاعرة، فنياً، تشكل رؤيتها بالعين، وتميل إلى توظيف العين في الصور التي تبدعها. إن الصورة الشعرية التي تتكئ على البصر هي أقرب الصور إلى المبدعين، ولكنها لدى الشاعرة تأخذ منحىً آخر يكتسب خصوصية التجربة. ذلك أن العين ترى ولكنها تنكر ما تراه، وتتراوح الصورة، عادة، بين معاينة الواقع ونقله من خلال عيني الزرقاء، ونعثر بذلك على أمثلة طيبة لاستخدام البصر في تشكيل الصورة، وبين تشويه للعين ورفض لوظيفتها فنعثر - وهنا الخصوصية - على صورة بصرية جريئة ترصد العين أبعادها ولكنها تميل إلى تحجيم دورها محاولة تقديم رؤية بصرية جديدة لا تلعب العين - أو البصر- أي دور فيها.

إن البوح هنا للشاعرة ثريا العريض، ولكن الرؤية للزرقاء! والبوح غير الرؤية، البوح أن تقول وتكشف عن أعماقك، ولكن الرؤية استشراف وقراءة للمستقبل، وإذا كانت زرقاء اليمامة قد استخدمت عينيها فعلاً، وحذرت قومها، فإن ثريا لها عيونها، حروفها، كلماتها التي اكتسبت بعداً رؤيوياً بصرياً امتلكته بجدارة وهي تجرب أدواتها، وتمرن كلماتها بين الحين والحين حين عثرت على رمزها: الزرقاء، وأمكن من خلاله أن تخبرنا بما تريد.

تتشابك لدى الشاعرة العناصر الأربعة: هي "الشاعرة" + الزرقاء + البوح + النبوءة.. ومن تشابك هذه العناصر راحت الشاعرة تنسج جدائل شعرية تثبت أنها شاعرة، ولها أسلوبها، ولها صوتها المميز على الساحة الأدبية.

(أ) النبوءة:

تقدم الشاعرة نبوءتها لمرة واحدة في الديوان كله. لقد أذاعت النبوءة كما تعلمتها من الزرقاء ورفضت أن تسكت:

"أرى شجراً يتدانى إلينا

هشيماً تخطاه وعد المطر

أرانا نمد إليه يدينا

فيأكلها جمر ذاك الشجر

أرانا وأعيننا مطفأة

تضيّعنا عتمات البصر

فمن يشتري بصري؟

يشتريني؟

ويدفع عنا بلاء الخطر؟"

كفى يا امرأة

كفى يا امرأة

ترين الذي لا يرى

تحت الثرى

وفوق الثرى

وخلف امتداد الوهاد

وعري الذرى (ص32-33)

خرجت النبوءة مكتملة العناصر، فهي بين علامتي تنصيص، فالقول ليس قولها، إنما جاءها من الزرقاء، وحملته إلينا وأعلنت التحذير، ولكن القوم كذّبوها فما عاد لعينيها وظيفة، ولذا تنادي من يشتري بصرها أو يشتريها لتفتدي الوطن ولا تعيش لكي ترى اللحظة المفجعة القادمة. وصورة النبوءة في هذا المقطع، تقترب من التراث، تلك النار المشتعلة نار الحرب، وليست نار القرى، تحمل الإنذار الخير لكل ذي قلب يشعر أو عين ترى.. النار تشتعل والخراب يقترب ولا مصدق، لقد تحول الشجر الأخضر - الذي كنا نجده ونبحث عنه - إلى هشيم، صار الشجر خطراً علينا تحول من الاخضرار إلى الشر المستطير، وإذا لم نصدق النبوءة ومددنا أيدينا أكلها الشجر، لأنه ليس شجرنا الذي اعتدنا عليه. إنه شجر النبوءة الذي جاء الأعداء خلفه، مختفين تحته وفوقه. وفي الوقت الذي تشتعل فيه نار الدمار تنطفئ العيون وتنتشر الظلمة، فهذه النيران لا تبدد ظلاماً أو تساعد على الرؤية، إنها نيران الأعداء التي تأتي على الأخضر واليابس. نيران فدقت وظيفتها بالنسبة لنا وصارت شراً علينا الهروب منه قبل فوات الأوان. في حين يصدر المجتمع قراره: كفى يا امرأة، ويصبح المجتمع كالببغاء يردد ما يسمع دون أن يعقل، هي تنبه وتحذر، وهم لاهون لا يسمعون ولا يعلمون بل يسخرون (ترين الذي لا يرى؟!) ويضيف النص بين القوسين أن الخطر آتٍ من كل مكان (تحت – فوق – خلف – عري الذرى) وإذن لا مفر!! أدخلت الشاعرة هنا رمز النار وأفادت منه في الصورة الشعرية السابقة، والنار معطى تراثي شعبي يستجيب لمحاولة توظيفه لمن يمتلك مهارة الإبداع. ومراحل النار، كما وردت في المقطع السابق، هي (هشيم – جمر – مطفأة – عتمات) الهشيم والجمر لنا، والمعنيان الآخران للعينين اللتين أنكرتا حتى مرأى النيران فصارتا عينين عمياوين لا تريان.

(ب) العين والعين الأخرى.

وحين نصل إلى العيون نجد الشاعرة قد أفاضت في استخدامها في تشكيل صورها. والعيون التي نجدها في هذا الديوان عيون لا ترى، من هنا كان تشويه الواقع الذي تقدمه، عيون مطفأة انتهى دورها، ولم تعد إلى وظيفتها وإن ظلت على اسمها - العين - لم تفارقه نكاية فينا، وتعذيباً لنا. العين ترصد التشويه هنا:

هذا العذاب الخرافي

كيف ورثناه يا وطني؟

لعنة لخطيئة من؟

صدقنا أنت؟ أم صورة تتشوه فينا..

تزوِّرها أعين كاذبة؟ (ص56)

هل تشك في الواقع أم تشك في عينيها؟ هل يمكن أن يكون الواقع الكابي بهذا التشويه؟ إذن عيوننا لا ترى، عيوننا تكذب علينا وصعب على الإنسان أن يتقبل صورة العين الكاذبة. قد تكذب الأذن، وقد يكذب الذوق أو اللمس. أما العين فلا تكذب أبداً، إنها هبة اللَّه إلينا. لأن ما تراه العين في الحقيقة ليس رؤية وإنما -كما يقول العلم - الأشياء هي التي ترسل أشعتها على العين فتنعكس عليها، وتلتقط العين هذا الإشعاع، وتشكل لنا الرؤية. بهذا المعنى فإن الأشياء هي التي ترانا - في الحقيقة - وبهذا المعنى - أيضاً - تصبح العين حيادية غير قادرة على التزوير.

والحل الذي تقدمه الشاعرة أن "نعمى معاً"، أن نفقأ عيوننا جميعاً:

وترتد سيرتنا في الحلوق

تعيث بنا أحرف غاضبة

ألا نستريح سوى أن نمد أصابعنا

لاقتلاع عيون الأشقاء؟

نعمى معاً؟!

والصورة هازلة مبكية معاً، تلك التي ينقلها المقطع السابق. يجب إذن أن نقتلع عيوننا جميعاً ولا نرى جميعاً، بدلاً من هذه الرؤية المشوهة. ولكن هل هذا هو الحل حقاً؟! أم تقدم لنا الشاعرة فعلاً بديلاً عن الموت؟! أليس العمى من أنواع الموت؟! فحين تمحى الصورة والأشياء، ويعيش الإنسان في عماء فهو ميت، ماذا يربطه بالحياة. إذن الشاعرة لا تقصد الحل الذي تقدمه، وإنما تفجعنا بأننا أصلاً صرنا عمياناً. عيوننا لا ترى. فالأفضل أن نفقأها حتى لا نهرب من المسؤولية. أن ترى وتعاين الواقع ثم تمضي حياتنا -تفاهاتنا- كأننا لم نرَ شيئاً. من منّا لم يجلس أمام التلفاز ويرى صورة أطفال الحجارة وهم يواجهون الموت - يفضحون عجزنا نحن الكبار - في وجه اليهود الذين عاثوا في الأرض المقدسة فساداً؟ يقتلون أطفالنا ونساءنا وشيوخنا بلا رحمة، من منّا لم ير ذلك - رؤيا العين - ثم مضى كأن الأمر لا يعنيه؟! من منّا لم يرَ الفُرقة العربية تتزايد وتتسع بينما الأعداء من كل جانب يتأهبون لنا؟ هل هذه عيون إذن؟! من الطبيعي أن تصرخ الشاعرة:

ورثنا عمى الألوان

لا فرق بين دماء.. وماء (ص58)

وتضيف الشاعرة في القصيدة نفسها - في موضع آخر - قولها:

لنا حرقات المآقي.. ونرفض كل الرؤى! (ص59)

فمنذ رأت زرقاء اليمامة الخطر، وحذرت قومها ونحن نحيا نفس الحكاية التي تتكرر.. ننكر الخطر ولا نفطن إلى المؤامرات التي تحاك لنا، وتعجب الشاعرة أن يكون لنا عيون لا ترى.

وتتكرر عملية فقأ العيون لدى الشاعرة في مواطن أخرى من الديوان (ص55)، أو العيون التي تمتلئ بالاكتئاب:

هو الصمت يسخر منّا

يملأ هذا الوجود ضبابا

وعيون الصغار اكتئاباً (ص97)

وقولها في موضع آخر:

والضوء يعشي العيون

ونور العيون كفيف (115)

وخلاصة الرأي أن العيون لدى الشاعرة عاطلة لا تعمل بالرغم من أنها تدخل في تشكيل الصورة، وتصبح بؤرة مؤثرة في حركتها التصويرية، وعلى المستوى الموضوع فإن هذه العيون تكشف عن مجتمع مشوه يعاني ويبحث لاهثاً عن المستحيل.

(جـ) العين والصورة البصرية:

تنحاز الشاعرة بشدة إلى الصورة البصرية التي تعتمد على العين في التقاط عناصرها المختلفة، وقد توصلنا في النقطة السابقة إلى أن العين لا ترى، والواقع الذي تعاينه واقع أسود مشوَّه، فكيف كوَّنت الشاعرة صورها البصرية مع إنكارها لرؤية العين؟ فهل اعتمدت على الحدس في تشكيل صورها البصرية؟ لنا أن نحلل بعض المقاطع لنصل إلى النتيجة.

تقول الشاعرة:

ترى أي وهم سنقرأ

حين نفسر ومض الكهوف؟

ظلال تضللنا. نتحرك دون امتداد الكفوف

أنستقرئ الظل والضوء يعشي العيون؟ (ص115)

أرادت الشاعرة أن ترسم صورة أمينة للواقع: كهف وظلال تضللنا. تتحرك دون أن تطول هذه الكهوف. الصورة تجسد العزلة والسواد واليأس الذي يجمع الناس في صورة الكهف، استدعت الشاعرة الكهف - الوطن - المغطى بظلال الوهم مع أن الضوء خارج الكهف من الممكن أن يساعد في اكتشاف الواقع في الرؤية الصحيحة. اعتمدت الصورة هنا على الكهف والظل والعيون التي لا ترى. وفي موضع آخر تقول الشاعرة:

أنا اليوم "زرقاء"

عيني أمد خطاها

وأرحل في صوتها وأجدُّ

وأعلم أني - كرزقاء - لا أرتجيها.

تمتد المسافة هنا على قدر رؤية الزرقاء (عيني أمد خطاها). الصورة هنا تتمدد - مستعينة بعينَي الزرقاء - لترى مسافة شاسعة من الأفق، ولأنها عين ينكرها المجتمع الذي لم يعترف بها فقط، ولا برؤيتها السوداوية؛ فإنها تستعير صوتاً (للعين) بدلاً من المسافة السابقة، صار للعين صوت يئز، يندفع، يعلن البوار. هذا التجسيد الحي للعين يرسم أبعاداً جديدة للصورة البصرية التي تحتال على الواقع عند الشاعرة. وفي القصيدة نفسها تقول الشاعرة:

يجف بحلقي النداء

وما من عزاء

يطالبني الجمع أن أتغاضى

وأنضمَّ صامتة لصفوف الكفيفين

أو أبتعد!

أأطفئ عيني؟

أطفئ عيني؟

وتبقى لاهثة في الضلوع؟

مكممة. للأبد (ص43)

الصورة تجسدها هنا عزلة العين المبصرة، والثمن الذي تدفعه. المشهد يستدعي صفوفاً طويلة ولكنها "عمياء" لا ترى، وبالرغم من هذا ترى الصورة البصرية لإنسانة تكمم عينيها وصوتها، وتحبس الرؤية في أضلاعها، وما صراخ الشاعرة: أأطفئ عيني؟! وتكراره إلا رغبة في قرع جرس الإنذار.

وفي صورة أخرى تقول الشاعرة:

بوار.

ولكننا بانبعاثاته نتحدى البوار

دوار.

ولكننا لعيونك لا يعترينا الدوار

لك أغنية الحزن.

أغنية السعد.

أغنية الانتظار

أغنية الأمل المتولد.. تحت الجفون (ص48)

ترصد الشاعرة هنا صورة بصرية مفعمة بالأمل. لذلك جاءت عناصرها واضحة، فهي ترفض البوار والدوار الذي يعانيه الوطن، وترصد لمحات الأمل المتوثب تحت الجفون في انتظار تحقيق أحلامها في وطنها. الصورة تعتمد على البصر في قراءة ملامح الوجه، وتلتقط البوادر الأولى لسر الأمل حين يتألق في الأحداق معلناً عن نفسه.

وفي صورة أخرى، تقول الشاعرة:

تلك أحياؤنا

في هدير التضاريس

أحشاؤها تتضور

أعشاشنا مدنٌ تتناسل أشلاؤها

في إسار المتاريس

ساحاتنا

بملايينها تتكور

تنز بأعيننا الضارعة

مناجم ملح.

ونبع جراح (ص67)

تتكلم الشاعرة في هذا المقطع عن أحياء الوطن. الشوارع والميادين والمناطق المزدحمة بالبشر، وترصد من خلال البصر مشهد الأحياء الرازحة تحت القيود والمتاريس التي تكاد تخنقها، وهذه القيود ليس من أجل توفير مزيد من الخير للوطن، ولكنها ضد "لقمة العيش". أيضاً (أحشاؤنا تتضور). إنَّ الجوع ينتشر بين الجميع، ثم ننظر إلى منازلنا - أعشاشنا التي تلد مزيداً من الأسرى والخانعين والخائفين، أما ساحاتنا التي تضج بالزحمة؛ فهي تتكور بهذه الملايين، وتنطق ملامحها بالآلام الكبيرة، وتشي أعينها بما تعانيه من جراح.

الصورة مفرداتها من الشارع ترصدها وتجمعها الشاعرة بمهارة، وتكوّن منها صورة كلية لليأس المسيطر على شعوبنا العربية، لقد أرادت هنا أن ترصد الصورة وفقاً لتصور مسبق، بحيث تنتهي الصورة بجميع عناصرها بجملة (مناجم ملح - ونبع جراح). هي النتيجة التي أدت إليها هذه "المفردات البصرية" لمعاينة الواقع.

والرصد هنا لا يتعالى على جمع الملامح من الواقع لأية مدينة عربية، والشاعرة اختزنت ذلك كله واستدعته عند الحاجة. وعلينا أن نتأمل هذه الصورة (الوطن = مناجم الملح).

إن الأحياء والأعشاش والساحات بمعنى واحد، ولكن هذا التنوع في المفردات الذي يقوم على رصد الخارج تتعمَّده الشاعرة حتى تصل إلى النتيجة النهاية: الوطن = مناجم ملح. إن الرؤية بتفصيلاتها المملة ليست مملة على الإطلاق، لقد تكررت المعاني لتستغرق الصورة مساحة زمانية ومكانية لتقنع المتلقي بالنتيجة لأنها تتطابق مع الواقع بكل تضاريسه.

ونتوقف أمام صورة تقترب من العبثية، تقول الشاعرة:

كلما طالنا السهد تصهل فينا الجياد

مشرفة مثل طير الجبال إذا ما تعالت

معلقة فوق ذاك الشفير

ثم لا تتوقف كي تحضن الموت

ترتد في دورة الفلك المستدير

وتنتفض الروح مغرقة في التساؤل

أما زال في العمر متسع للسؤال؟

ومفترق لانعتاق المسار.

ومنعطف للعبور؟! (ص109-110)

فهذه الصورة دائرية تبدأ بالسهد وتنتهي بالتساؤل – وهو السهد نفسه – وكلما اشتدت الظلمة وحطت علينا الكوارث، ولكن الروح تجاهد لا تعترف بالموت، تخلق الروح صهيلا ينادي بالأمل. نستولد من أعماقنا الجياد النائحة التواقة للانعتاق: (جياد تشبه الطير). وتنطلق هذه الجياد لا تلوي على شيء إلا تحقيق الأمل، وتحاول أن تتخطى الموت، فترفض التوقف، ولكنها تعود مرة أخرى (ترتد في دورة الفلك المستدير)، وتدخل إلى أعماقنا، فلم تكن الجياد حقيقة بل كانت خيالاً خلقناه من أرقنا وسهادنا وحزننا، والشاعرة لا تيأس من إثارة الأسئلة وتخليق جياد النصر، ولكن المشكلة هل في العمر متسع؟ هل هناك مفترق أو منعطف نعبره إلى المستحيل؟ وكما بدأت بالتساؤل انتهت به. وهذا المشهد الدرامي يؤكد أن الشاعرة تهوى الصورة البصرية لأنها أشد ارتباطاً بالواقع مع أن الصورة الذهنية – مثلاً – من الممكن أن تؤدي المعنى الذي تريده الشاعرة: إنسان مؤرق تجتاحه الأفكار، ولكن الشعر الجميل إثارة دهشة وصورة مفاجئة يكونها الفنان من تمازج الخيال بالواقع، وكلما اتكأت الصورة على الواقع، ونقلت مفرداتها من الطبيعة كانت أكثر تأثيراً وقدرة على بلوغ الهدف. إن الجياد التي تشبه طير الجبال ترسم اللوحة الشعرية باستخدام عدد كبير من الأفعال (تصهل. تعالت. تحضن. ترتد. تنتفض)، واسم المفعول (معلقة. مغرقة). وبهذا تتشكل الصورة الجزئية بكل هذه الأفعال.

واعتماد الشاعرة يكاد يكون على مفردة واحدة هي (الجياد) وبهذه المفردة صنعت الشاعرة كل هذه العالم الثر، وتلك آية ندلك بها على تمكنها من أدواتها الفنية، وقدرتها على التحليق والتخليق.

زمن طويل ولّى، كادت العروبة أن تنطفئ جذوتها في وجداننا. قلنا لأنفسنا كانت مرحلة حلم أفقنا منها، ولن يعود التاريخ إلى الوراء، من يعنّي نفسه الآن بالعروبة وقضاياها؟ فقط إذاعاتنا تردد "الكلاشيهات" الممجوجة التي نسمعها في معظم إذاعات العرب، كأنما قد اختلفوا في كل شيء إلا في نشرة الأخبار. زمن طويل لم نسمع فيه صوتاً عربياً صادقاً وسط ركام الهزائم والشتائم والمصالح، جاءت ثريا العريض لتعلن بملء صوتها: أنا عربية!!

تقول الشاعرة:

كل الإذاعات تغتال يومك

في نشرة الساعة التاسعة

تلعلع منعطفات المدن

وفي الصمت تمتشق الصوت من غمده

ونرتجل الضحك جرحاً يرن

كاسك يا وطني بالكلام يفيض

ونخبك نجرع دناً فدن (ص65)

تستخدم الشاعر هنا حاسة السمع لكي يناسب عنوان القصيدة: "الموت في الساعة التاسعة". فالإذاعات تقفل فينا الأمل، تنشر الاكتئاب من أول خبر عن الزعيم والقائد والبطل. ولنا موقفان أمام ما نسمعه في الظاهر تلعلع منعطفات المدن - نرتجل الضحك، أما في الواقع، فعكس ذلك تماماً بعد أن نظل نتعاطى الكلام، مجرد الكلام، نحقق به النصر والآمال. (في الصمت نمتشق الصوت من غمده).

لكن الأساس في هذه الصورة يظل هو البصر!! فقد اعتمدت الشاعرة على قراءة الوجوه العربية، ورصد انفعالاتها المختلفة في زمن معين، في نشرة الساعة التاسعة.

وفي دعوتها للتمرد على التقاليد العربية التي تعزلنا عن العصر، وتحبسنا في زنزانة الماضي لنصبح أسرى له تحاول الشاعرة أن تنبه إلى التمرد وخلع القديم التي رمزت له بالوقوف على الأطلال، تلك التي كبلت خطونا نحو المستقبل، وأراقت دموعنا الغالية دون طائل، لا بد أن نستشرف المستقبل ونحقق المستحيل، تقول:

نتحدى التخوم

واشتباه الرسوم

لحظة نسترق

هاجرت كلها لجديد الطرق..!

وبقى ظلها في حنين سجال

القلوب تشف والعيون تعقّ

نقش حنّائها لوّحته الشموس

شاحب في الأكف وجلا وومق

دمعة ووجوم

والغناء ابتهال

لطيوف خوال

لا وقوفاً بها

وشظايا كؤوس..

الوجود نروم

والديار رموس..!! (ص106-107)

وتتساءل الشاعرة كيف ندفن الحاضر من أجل الماضي؟ كيف نغمض أعيننا عن المستقبل وما نزال نستجدي الدموع للوقوف على أطلال الوهم؟ نتذكر أم أوفى وحومانة الدراج والمتثلم، نبكي للآخرين الذين لم نرهم. هل هذا معقول؟! فلنبك على أنفسنا أولاً، ولنحزن لما نحن فيه، ونواجه واقعنا الذي نهرب منه، لابد - كما ترى الشاعرة - من جديد الطريق! لقد فقدنا نضارة الحياة حين عشنا الماضي ورفضنا الحاضر، فلا ماضٍ ملكناه، ولا حاضر عشناه (شاحب، دمعة، وجوم). ثم نتعاطى أغاني الأطلال، ونسح الدموع الحارة بمشاعر كاذبة، وهذا تناقض يجعلنا نعيش دائماً بشخصيتين، شخصية شمعية نقدمها للناس ونحرص عليها، والأخرى (نحن) بنقائصنا، وعيوبنا التي نخجل منها، وأحزاننا الصغيرة، وصدقنا الإنساني النبيل. نرفض أن يطلع عليها الناس فنخفيها. أتقنا ارتداء الأقنعة حتى لم نعد نعرف أين الحقيقة وأين الخداع؟!

لقد قررت الشاعرة وأصدرت أمرها (لا وقوفاً بها) ضد (وقوفاً بها..). ولماذا الوقوف على بقايا أحجار وشظايا كؤوس؟ هل هذا معقول؟! مرة أخرى ترسم الشاعرة صورة بصرية مفرداتها (تخوم، الرسول، العيون، نقش الحناء في الأيدي وقد لوحته الشمس، دمعة، وجوم، ديار رموس، شظايا كؤوس)، ومن هذه العناصر المتنافرة شكلت الشاعرة صورة متكاملة بعد أن قامت بإنشاء علاقات جديدة بين هذه المفردات.

لقد أرادت الشاعرة لصورها أن تعتمد عل العين تلتقط بها العالم المشوش، والواقع الكابي، ولكنها - على مستوى آخر- تستخدم العيون استخداماً جديداً بمعنى أنها عيون لا ترى، مطفأة، تعاني من العشى الليلي والنهاري، وعدم التمييز بين الألوان، عيون عمياء!! والعيون التي لا ترى - حين تشكل صوراً بصرية - فإنها تعود غالباً إلى مفردات قليلة من الطبيعة؛ لأنها في اختيارها للصورة البصرية لا تسرف في استخدام العينين، فالعيون لديها لا ترى بعد أن أنكرها قومها ولم يستمعوا إليها، وجاء الأعداء فسملوا عينيها.

ثالثاً: التشكيل بالصوت

ماذا نقصد بالتشكيل بالصوت؟! وكيف يعدُّ الصوت تشكيلياً من عناصر الصورة الشعرية، وبنية طيّعة تنصاع لدى الشاعرة إلى عالم جمالي تبث رؤيتها الفنية؟!

وسوف أجيب لاحقاً عن هذا كله. ذلك أن الإجابة كامنة في تحليل بعض الصور في هذا الديوان الذي احتفلت فيه الشاعرة بظاهرة "الصوت"، وجعلته عنصراً عاملاً فاعلاً كما سنرى.

ولكن لماذا الصوت؟!

تذهب الشاعرة أننا ننفرد بين شعوب العالم في التعلق بالصوت: بتنغيمه وتقطيعه وتجميله وتفخيمه!! ونبالغ أحياناً فنحقق وجودنا بالكلمات، بمجرد الكلمات، ويشهد شعرنا الجاهلي الرائع على هذه السمة، وما نزال حتى الآن نعتقد في موروثاتنا الشعبية بأن نستجلب الأشياء ونستحضرها بمجرد النطق بها. وفي العصر الحالي ذهبنا إلى آخر الشوط حين ركنّا إلى مجرد الأصوات واعتبرناها دلالة على تحقيق أمنياتنا، وكم من إنجازات نقدمها لأنفسنا هي عبارة عن كلمات جوفاء، وأصوات في الهواء لا معنى لها.

لجأت الشاعرة إلى البحث عن الخلاص بالصوت، واستخدمت الصوت هنا بثلاثة أبعاد، فالأول حين يعني الصوت النداء والتحذير، هو الصوت الإيجابي، إذن، والثاني قد يصبح مجرد صرخات جوفاء في الهواء، ونعني به الصوت السلبي. أما الثالث فهو الصوت الضد ويساوي الصمت، وهو يمثل نوعاً من أنواع الصوت غير الصوت السلبي، فقد يكون الصمت كلاماً وموقفاً كما سنرى.

وفي كل الأبعاد السابقة نجد الصورة الشعرية التي تكشف عن تحولات الصوت، والتشكيل الجمالي به.

(أ) الصوت النداء:

في الصوت الإيجابي - النداء - حملت الشاعرة النبوءة، وواصلت دعوتها التحذيرية، لقد صار الصوت للشاعرة هو الأول الوحيد، والقوم لا يستمعون إليها، ولكنها تواصل النداء، تقول:

أنادي كما أنتِ ناديتِ

لهفي عليكِ

ما صدّقوكِ

وها أنا باكية وبنوك

يبيحون آذانهم للرياح

ولا يسمعون النشيج (ص33)

هي قد أعلنت الخبر ولم يستمع أحد إليها، ولكنها تواصل النداء باحثة عن صدى لصوتها. وتختلف النبوءة عن النداء. النبوءة أن تذيع سراً وتتكهن بالقادم، وقد سبق الحديث عنها، والنداء -مرة أخرى- هو الإصرار والتحدي ومواصلة الصوت. هي تدرك مصيرها -كمصير الزرقاء (ما صدقوك)، وقد تأكد لها أن قومها (يبيحون آذانهم للرياح)، و (لا يسمعون النشيج). ومع هذا تصر على أداء رسالتها.

إن معرفتها لدورها يأتي من جملة (أنادي كما أنت ناديت). تدرك الشاعرة دورها مع علمها بصعوبة الاستجابة لها، ولكن يظل صوتها أملاً معلقاً في رقابنا. يعلن أننا لم نمت بعد وفينا من ينادي ويستغيث، ولابد يوماً أن يدرك مقصده، ويحقق أمله.

وفي صورة أخرى نرى الشاعرة تشرح لنا الصوت النداء، حيث تقول:

لك الآن أن تصهر الشوك.

تخطو عليه.

وتهتبل اللغة المانحة

تطوّع صوتك كي يستجيب

ويعلو بلوعتك اللافحة (ص13)

إن مرحلة الإعداد للصوت النداء تستلزم وقتاً وجهداً. إن الأمر ليس بسيطاً، إنها المعاناة والإرادة لكي يخرج صوتك قوياً ينادي بأعلى طبقاته بالحق. ولن يكون صوتاً صادقاً ما لم يمر بمرحلة الإعداد التي قدمتها الشاعرة لنا وهي:

أن تصهر الشوك وتمشي عليه: أن تكون الحقيقة -المتصلبة أمامك- فؤادك، وتشعل النيران في داخلك، وهذه النيران التي تمر بها لابد أن تعيدك للكون خلقاً آخر، أكثر صدقاً، وأكثر قدرة أداء دور النداء، سوف تحرق النار ضعفك وتخاذلك، وتعلمك الصبر والتحدي.

أن تهتبل اللغة المناحة، وهذه المرحلة نتيجة منطقية للسابقة فالمواقف الصعبة التي مررت بها لابد أن تعلمك البحث عن اللفظة المناسبة، وإن الحاجة أم الاختراع، ولولا حاجتك للنداء، وشعورك بنار الظلم تكوي أعماقك؛ لما تعلمت كيف تستنزل اللغة المؤثرة من عليائها. إن اللغة لا تعطيك نفسها إلا بقدر ما تعطي أنت نفسك للتجربة، وعندما تحس بالخطر الحقيقي؛ إذا بالبلاغة والبيان ينزلان عليك، وإذا بلغتك قادرة على الوصول إلى الناس.

تطويع الصوت: يصبح صوتك مرناً، ملكاً لك وحدك وليس ملكاً للآخرين، (لرغيف الخبز أو للسلطة أو للقوة)؛ وإنما يستجيب لك متى استدعيته لأنك احترمته فاحترمك. يعطي للكلمات مداها وآهاتها ونغماتها فتؤثر فيمن حولك، عندها تنطق اللغة بكل الصدق الذي يحتويك، وتجد مداها في المحيطين بك. للصوت النداء أصول وقواعد وعلم لدى الشاعرة. إنها تتقن رؤيتها الفنية، فالقصيدة لديها ليست خاطرة تطلق على عواهنها؛ ولكنها موقف وقناعة وثمن يبذل والنداء - الصوت - فيه الخلاص عند الشاعرة، اقرأ قولها:

لك الآن أن تعبر الموت نحوك. تعتنق الحلم

تفتح للصوت طاقاته المطلقة

على قمة الصبح تبصره يتمادى

اغترف منه فاتحة الفجر

كي تتوضأ مغتسلاً من همومك

قف الآن محتفلاً بقدومك.

واقرأ المتيسر ممتشقاً منطقه.

لك الآن أن تمتري بكل المساحات جاهاً ومناراً

لغة تتعالى.. تكبّر

تحملك الآن للقمة الشاهقة (ص14-15)

تصل الشاعرة في هذا المقطع إلى قمة التوحد، والتوحيد، تتوحد مع القيم والنبل والطهارة، تطلق الصوت الذي ينقذها من الموت المحقق، ويعلقها بالأمل، ويصبح نداء اللَّه أكبر وقراءة القرآن الكريم بصوت عالٍ طريقة الوصول إلى القمة، إنه الحل الذي تطرحه الشاعرة وسط ركام الهزائم والتشرذم. وعلى مستوى آخر فإن الصدق في النداء سوف يخلصك من آلية الصوت الفارغة، النداء الصافي الواثق من نفسه يحقق الأمنيات، ويهبنا القوة والشجاعة؛ فنؤثر فيمن حولنا، وتصل رسالتنا، وينجو الوطن مما يحاك له.

إن (الصبح، والفجر، والاغتسال) مقدمات ضرورية لاستخدام الصوت هنا، أن يعلو نداء اللَّه أكبر فهو أعظم من كل نداء، وأعلى من كل صوت، وفيه تحقيق أمانينا بإذن اللَّه.

إن الشعور الإسلامي يتملك الشاعرة هنا، وهي تبحث عن الصوت القوة - الصوت النداء الحق الذي ينقذ أمتنا من الخوف والتخاذل. صوت النداء هنا يختلف عن أي صوت آخر، إنه يتضوأ بالقرآن، ويتطهر بالتوجه إلى اللَّه سبحانه وتعالى.

وليس صدفة أن تكون هناك قصيدة في الديوان باسم النداء تحتاج منا إلى وقفة أطول ولكننا سنمر على بعض الصور التي تؤكد رأينا على أن نعود إليها في دراسة قادمة إن شاء اللَّه، تقول الشاعرة:

صوت من يتناوبك الآن..

ملتبس النبرات..؟

صوت من يتدفق عبر شروخك

في صرخة جارحة

يتحدى انطلاق السكون ليرعد في أذنيك:

متى سوف تقرأ شوقك للحلم..؟

تولد منبجساً بالحياة؟ (ص119)

يخرج الصوت – النداء- بالرغم منك. صار الصوت جنياً يتلبسك، يتدفق عبر شروخك، فالجراح التي تركها الزمان فيك تتخثر، ويصبح الصوت شفاءها وتحقيق أملها، إنها صرخة جارحة نعم، ولكنها صرخة تخرج من المظلومين المقهورين الذين بدت ظواهر الموت، هم يستيقظون الآن، يشرخون الكون بأصواتهم، يتحدون السكون، وينادون، فتأتي الأحلام، وينادون، فتولد حياة جديدة. الشاعرة هنا تجسد الصوت في التساؤل، والصوت هنا –في هذا المقطع- نكرة (صوت من – صوت من – صرخة) هل هو صوتها وتنكره؟! هل لا تعرف ملامحه لطول اغترابها عنه؟ هل هو صوت الآخرين، أصحاب الضمائر الحية مثلها قد استيقظوا وهي تعلن مشاركتها لهم، وتتبنى أصواتهم، وتجمعها في صوت واحد لأن المصير واحد؟! كل هذه الأسئلة تظل مثارة ولن يجيب عنها أحد، فالنص يقول، وهو في حالة بث دائم: إنه نص مفتوح لم ينته القول فيه بعد، وهذه علامات النص الثري.

وفي هذه الصورة يظل النداء هو الأمل، تقول الشاعرة:

إنك الآن تشعر بالغيم في خطواتك

والريح في شفتيك

إنك الآن ترتاح للأفق

.. حين يناديك تصغي إليك.

وعند النداء تُفيق

"هلا تماديت منعتقاً بوجودك.

هذا الوجود الجديد العتيق.."؟

يتصاعد فيك النداء

تليق بك الأجنحة

تغادر ظلك مثل اليمامة من حرز أيك

لتعبر حزن القفار إليك

موسم للسفر

وتبدأ من سورة الفاتحة.. (ص123)

آخر كلمات الديوان - النداء هو الحل، توظيف للأصوات الشريفة في معركتنا الحضارية مع الغرب، ويظل النداء هو الجناح السحري الذي نطير به إلى الاتفاق، المهم أن يخرج من أعماقنا المحترقة الممزقة، وسوف نقوى به. وهذه الصورة من أجمل صور الديوان في رأينا، ذلك أن بعض تشكيلاتها الجزئية جديدة مثل صورة الغيم في خطواتك، والريح في شفتيك، وكأن الريح والغيم يساعدانك، تخرج بصوتك الندى رائعاً واثقاً. إنك الآن أيها العربي الأصيل جزء من الكون، تجلى فيك نوره وقدرته، احتواك واحتويته فلماذا تنفصل عنه؟ لماذا ترفض نداء الطبيعة؟ لِمَ لا تصبح عنصراً تنتظم في جوقتها وهي تغني الحياة؟! الأفق يناديك، وعليك أن ترد النداء، وعند تحقيق النداء تكون قد وصلت إلى قمة أهدافك، وحققت انتصاراً كبيراً على الحياة. إن الكون بروعته يعلمك النداء وعليك أن تستجيب لنداء الحياة أولاً، وبذلك تكون قد فتحت مساحات إحساساتك واستجبت لحركته، وعندها تتم المعجزة. هل اكتفيت أيها العربي الجديد بأن تردد الصوت خلف الأفق وكأن الطبيعة تقوم بتدريبك وتعليمك أصول النداء. لننظر إلى نتيجة انسجام الإنسان العربي مع الطبيعة، وتمام التلاحم بينهما. وعند النداء تفيق. والنداء ليس منك، إنه من الطبيعة ولكنك تعي الدرس وتقلد النداء. ثم تمر بالمرحلة الثانية، فمن داخلك، من أعماقك سوف يتشكل النداء، وتنبت لك أجنحة تطير بها إلى المستحيل، وتبدو هذه الصورة الرائعة على هذا النحو:

 رحلتان إذن قام بهما الإنسان العربي الجديد الذي تتخيله الشاعرة، رحلة قبل النداء، حاول فيها الانسجام مع الطبيعة، وتعلم الدرس منها، وصار جزءاً من نورها وروعتها؛ فانطلق إلى الرحلة الثانية، تحقيق النداء.

وقد يتخاذل النداء، وتقترب صورته من التماهي والانتهاء، تقول الشاعرة:

صوتي يغيض.

وما من صدى

في انكسار الزوايا

طالت ظلال المساء (ص98)

هذا الصوت الذي يغيض وينتهي دوره لا يمكن أن يقوم بمهمة النداء الجليلة، النداء دعوة إلى الجهاد. إلى الاكتمال، وكيف يقوم بالدعوة متخاذل صوته لا يكاد يخرج من أعماقه؟ وقد تكون للأصوات أطلال، وعندئذٍ لا تعمل أيضا، ولا تستطيع أن تبلغ رسالة أو تنشر نداء الحق (تلك أطلال صوتنا تمتشق) (ص105) ولكن للصوت القادر على النداء قدراته ومتطلباته وشروطه ومراحله والشاعرة تقدم كل ذلك في الصور التي حلّلنا بعضها.

(ب) الصوت الأجوف:

الصوت الأجوف هو الصوت الذي لا يصل، هو النداء الضائع، تقول الشاعرة:

هنا في المتاهات حيث وقفتِ

وقفت أنادي

أبناء أمي شتات يبعثرهم كل وادي

فأين بلادي؟ (ص31)

هي تنادي السراب ولا أحد يسمع، ولذلك تسأل الشاعرة: أين بلادي؟ هنا الصوت مجرد مساحة تذروها الرياح، وتضيع في الهواء، ومع هذا تصر الشاعرة:

باسمكِ ناديت.. هل تعذريني؟

حروف من النار فوق جبيني

وصوتك يشرخ صدري

يمزّق حلقي

دعيني أنادي به

أعتقيني!

أنادي. وقومك لا تستفيق

وإرثك همٌّ محيط محيق

لا أحتويه ولا يحتويني

أصيح باسمك

.. يا ليتهم سمعوني.. (ص31-32)

في هذا المقطع يصبح الصوت مجرد تعبير عن اليأس والأسى، فالقوم غافون لا يزالون يستغرقون في نومهم والصوت -النداء- لا يصل إليهم، لا يحدث أي نوع من التوحد (لا أحتويه ولا يحتويني)، ومع هذا تصر الشاعرة على الصراخ والصياح باسم الوطن، ولكن لا أحد يسمع (يا ليتهم سمعوني)!!

وتحمل الشاعرة وزر فشلين تنوء بهما. لذا كان صوتها صراخاً (حروف من النار - صوتك يشرخ صدري - يمزق حلقي)، ورغم ذلك تطلب وتلح في استعارة صوت الزرقاء. ففي النداء انعتاقها حتى لو كان النداء مخادعاً "أنادي.. وقومك لا تستفيق" إذن ما فائدة النداء. إنه مجرد صرخة تعبر عنها الشاعرة بقولها "أصيح باسمك" إن مجرد ارتفاع صوتها باسم الوطن ومستعيرة تجربة الزرقاء قد يكفل لها في المستقبل آذاناً تسمع وقلوباً تعي.

وتضع الشاعرة يديها على الداء في موضع آخر من هذه القصيدة حين تقول:

وها أنا باكية وبنوك

يبيحون آذانهم للرياح

ولا يسمعون النشيج

تبرعم أشواكهم في البطاح

وتزهر إذ ترتوي بالضجيج (ص33)

لعلنا نلاحظ أن الصوت - النداء عبرت عنه الشاعرة بكلمة (باكية) والقوم لا يسمعون، والصوت - مرة أخرى- صار نشيجاً ولكنهم لا يأبهون، إذ انتُزِعت من قلوبهم الرحمة والرأفة، ونبتت مكانها الأشواك، وهذه الأشواك ترتوي من ضجيجهم، وهذا هو بيت الداء. إن كلاً منّا يتكلم، لم تعد الأصوات تتمايز. الكل ينادي بشكل عبثي، واختلطت الأصوات، ولم يعد أحد يسمع أحداً. أعجبتنا أصواتنا فانطلق كل منا يجرب حنجرته، يرفع عقيرته وكأننا في محفل للخرس. الصورة هنا ناطقة. جسدت فيها الشاعرة ثلاث صور جزئية:

الأولى: يبيحون آذانهم للرياح وكأن الرياح تستولي على آذانهم فلا يسمعون إلا صريراً حاداً، ولا أحد يسمع شيئاً أو يتبين معالم واضحة. إنها مجرد أصوات جوفاء.

الثانية: تبرعم أشواكه في البطاح، هذه القسوة والغلظة تجسدها الشاعرة في صورة نبات شوكي صحراوي ينبت ويغطي المكان حتى لا يترك مساحة خالية من الشوك -الأذى- يستطيع أي صوت مخلص أن يؤثر فيها، أو يسمعه أحد. والصورة الثالثة أن هذه الأشواك تزهر وتنمو أكثر لأنها ترتوي بالضجيج، صورة أخرى جديدة للأشواك التي تنمو بالضجيج، بالأصوات الجوفاء!! ومن انسجام وتكامل هذه الصور الثلاث تكون الصورة الكلية الصامتة إلا من أصوات الشكوك والنواح والنشيج الذي يشي بالألم في الوقت الذي لا تكون فيه أي بادرة لاستجابة ما لهذه التي تنادي بصوت مبحوح ومشروخ.

ونلتقي في صورة أخرى بالصوت الأجوف، تدعوه الشاعرة بصرير النواجذ، تقول:

ما تبقى بنا سوى هاجس لصرير النواجذ

وجعاً تتوغل في الحلق شوكته الناشبة

وترتد سيرتنا في الحلوق

تعيث بنا أحرف غاضبة (ص57)

الصوت المبحوح في الصورة السابقة يصبح صدىً لصرير النواجذ في هذه الصورة، مجرد أصوات وليدة الوجع، لا تزيد هذه الصورة الصوتية عن قولنا آه.. ونسترجع الآهة مرة أخرى نمضغها ونلوكها في حلوقنا لنعيد لها كينونتها، ولكن الآه -حتى الآه- تخرج مشوهة، والحروف تعيث بنا. إنه صوت هلامي لا يقول شيئاً ولا تنتج عنه أي بادرة أمل.

وهناك صوت آخر تحتار -الشاعرة في كنهه أو كينونته، هو صوت لا يعني شيئاً تقول عنه الشاعرة:

تخاتلنا طرقات الرياح

ويفتقد الصوت لهفته

فلا هو همس يهدهد ما يعترينا

ولا انبعاثات حب عنيد

ولا هو وهم سعيد

ولا هو منعتق في الصياح (ص74)

حين يفقد الصوت لهفته فإنه يتخلى عن ميلاده، ويصبح قرقعة في الهواء، فلا هو يريحنا كهمس هادئ يدغدغ أعصابنا المكدودة، ويبشرنا ببصيص أمل، وكذلك لا يعزينا بوهم السعادة، حتى "وهم" السعادة. كانت الشاعرة تتمنى للصوت أن يحمل إلينا وهم بالسعادة فيخدر حواسنا قليلاً، ويخفف من ضغط الحياة على كواهلنا المتعبة، لكنه صوت مشروخ أجوف لا يعني شيئاً تكرر الشاعرة (لا هو…) وكأنها تنفي عن الصوت كل الصفات الممكنة، هل تريد هنا أن تصادر تصوراتنا عن مثل هذا الصوت الذي جسدته في قصيدتها، ودللت به على عدم جدواه؟!

وهنا أيضاً الصوت المستباح، تقول الشاعرة:

خطوة خطوة نقتفي أغنيات الخيال

كيف يهجرنا صوتنا مستباح المجال؟

الديار مدى..

والتضاريس ذاكرة باقية..! (ص105)

نبحث هنا عن الأمل الزائف، ولكننا لا نعثر على صوتنا. لقد استباحه الغيب والأفق فضاع هناك بين الأطلال ولا أحد يستطيع أن يستعيده.. أي صوت هذا الذي تحاول الشاعرة إنقاذه، ولا يستجيب لمحاولاتها؟ إنه صوت الماضي المشروخ بتكراره الممل، وبطولاته الزائفة. إن الصوت الذي يستعيد الماضي يكون قد حكم على نفسه بالموت لأنه صوت يسقط في القاع ولا جدوى منه، تقول الشاعرة:

لغة تتساقط في غلس النوم

إذ تتباطأ مرتدة في الشخير

تقتات ما أنجبت..

تكرر بين الشهيق وبين الزفير.. (ص115)

صوت يحملك على النوم، ويذكرك بالشخير، ويقتل فيك نشوة الحياة. هو مجرد حروف تتكرر بين الشهيق والزفير، تملك الشاعرة هنا حساً ساخراً إذ تصورت أن مثل هذا الصوت المشروخ الذي يعود إلى الماضي، ويغلق أبواب المستقبل كأنه يشدنا إلى الماضي شداً، قاتلاً فينا الطموح، داعياً إلى التواكل والنوم. ويصبح مجرد حركة راقصة بين الشهيق والزفير، لا تقول شيئاً جديداً.

هذه اللغة أو تلك الأصوات:

تتساقط في غلس النوم، ولننظر إلى التعبير الجميل "تتساقط" استهانة بهذه الأصوات، واحتقار لأثرها، وامتهان لحركتها.

تتباطأ مرتدة في الشخير، صورة هزلية رائعة لصوت يتراقص على نغمات الشخير، ويصبح "الشخير" معلماً من معالم تكوينه.

صوت يقتات ما أنجب. يقتل طموح الإنسان، ويأكل ما بقي فيه من رغبة في الحياة.

وهذه عينة من الأصوات الجوفاء التي وظفتها الشاعرة في قصيدتها، رأينا أنواعاً لها استطاعت الشاعرة أن تضع لها تسميات عجيبة، ساخرة منها لأنها مجرد فرقعة في الهواء، كأنها طَرقات العدم تعلن للإنسان قرب نهايته، فلماذا التمسك بهذه الأصوات؟ ولقد شكلت الشاعرة صورها في هذا الجزء بهذا الرؤية الموضوعية للصوت الواهن أو الشاحب أو المشروخ أو الميت.. إلخ. وقدمت إزاءها رؤية فنية ناضجة.

(جـ) الصوت الضد: (التشكيل بالصمت):

تعلن الشاعرة عن نفسها من أول الديوان، إن الصمت لديها أحد عناصر التشكيل الفني، وحين يكون الصوت مشروخاً، خالياً من المعنى، مجرد صراخ أجوف، تتدثر الشاعرة بالصمت وتنحاز إليه. ويصبح الصمت ضرورة لأن الواقع أكثر دمامة وكآبة. واستعادة الواقع؛ استعادة للحظات التخاذل والضعف، والشاعرة لا تحب ذلك، هي تميل للانتصار للحياة، للازدهار، لحب الوطن. تعلن الشاعرة من البداية قائلة:

بعيني امرأة تتوحد بالصمت

توأد. أو تفتدى

وتصرخ في صمتها للقوافل:

إرث السراب مخاتل

لا يحتوي صوتي الغض نهنهة النوح (ص18)

التوحد بالصمت هنا إحدى وسائل الشاعرة للتغلب على مجابهة الواقع، بعد أن صارت الكلمات لا تقول شيئاً، والقوم لا يسمعون، وهي تدرك الثمن الفادح الذي سوف تدفعه.. لا يهم، ولكن تأتي صورة (تصرخ في صمتها للقوافل) لتضيف للصمت بعداً آخر قد يكون إيجابياً. إن مرآها، وهي مضيعة سليبة، يتطلب من القوم أن يتوقفوا قليلاً، يرقوا لحالها، يحاولون إنقاذها، إن صوتها المبحوح يجعلها تلجأ إلى الصمت كسلاح تجرب المواجهة به. هي تقول لهم: أنتم تصدقون الأمل الزائف، ارجعوا إلى اليقين، وتبكي ولكن البكاء لا يكاد يخرج من حلقها، لأنه لا توجد كلمات تحمل البكاء، ولا يشي الصمت بفحواه، وهنا الحيرة التي تجسدها الشاعرة، وتجسد من خلالها "الصمت"، وتتعامل مع "لغته" الجديدة، وتجعل له كمية وحجم وحيزاً، لننظر إلى قولها:

بيني وبينك يا وطني

ركام من الصمت والكلمات

وهذا الذي يتناوبنا هوساً وانشطاراً

بذاكرة الأغنيات.. (ص23)

إن للصمت ركاماً كما للصوت!! وهذا هو الذي يقف بينها وبين وطنها حجر عثرة، إنه وطن يلوك الكلمات الجوفاء، ويمضغ الأغنيات الزائفة، وفي صورة أخرى ترى الصمت قادراً على عزف الألحان.

تقول الشاعرة:

تراتيل المرأة

يعزف الصمت فيها انتشاء الحياة (ص25)

وهذا يؤكد قوة الصمت لديها، وأنها اختارته بديلاً عن الصوت الأجوف، والمعنى الميت. والصورة هنا رقيقة هامسة حيث يؤكد الصمت الإيجابي هذه القوة، قوة الحياة ودفقها واستمرارها، إنه قادر على العزف، وإنشاء ألحان الخلود والبقاء، هل يمنح الصمت مثل هذه القوة؟ إن الشاعرة تعتقد ذلك، وترى للصمت لغته وأسلوبه، وتدلل على وجود صمت آخر لا تحبذه ولا تحتفي به في شعرها؛ وهو الصمت بمعناه المباشر الذي يعني الخوف والحذر والهروب، تقول:

يجف بحلقي النداء

وما من عزاء

يطالبني الجمع أن أتغاضى

وأنضم صامتة لصفوف الكفيفين

أو أبتعد (ص43)

وهذا الصمت السلبي يقتل الحواس جميعها، ولا يترك مجالاً للوقوف أو التحدي، إنه صمت يقطع اللسان، ويعمي الأبصار، لذلك لا نتيجة من ورائه، والشاعرة لم تستخدم هذا النوع من الصمت إلا في مواضع قليلة من ديوانها مثل قولها:

وبصمت مرير ندبج أنشودة للوطن (ص63)

فهو صمت مرير ترفضه الشاعرة لأنها تبحث عن صمت فاعل مؤثر. تنحاز الشاعرة دائماً للصمت الإيجابي القادر على البوح، وتجعله عنصراً من عناصر تشكيل الصورة الشعرية. والصمت في بعض الصور أبلغ من أي صوت، وأكثر فصاحة من أي لغة.

تقول الشاعرة:

قل هو الصمت

والشوك منغرس في حناجرنا

وجع أنت يا وطني

تتحدر حتى الشرايين

منهمراً بلهاث الألوف..

لقد وصلت الرسالة رغم الصمت الذي تزعمه الشاعرة، هنا استخدم الصمت على مستوى فني آخر، إنه الصراخ الذي يخرج بقوة من أعماق الإنسان العربي لما أصابه، والصورة دموية كئيبة، ولكن تشكيلها يحتاج إلى تأمل. الشوك منغرس/ تتحدر الشرايين/ لهاث البشر.. إنها جوقة من فاقدي النطق يصرخون معاً بألم شديد، تستوقفنا صورته حيث نشعر بالدماء تنزف وإن كنا لا نراها، الشوك يغرس في الحناجر، وهي صورة بشعة لا يستطيع الإنسان أن يخرج من حلقه صوتاً سليماً بعدها، ثم إشارة إلى الوجع والألم، وكأن ذكر الوطن هنا فيه نوع من العزاء والتأسي، وصورة أخرى (تتحدر في الشرايين) بمفردات تحملك على استحضار مشهد الدماء. ونلتقي مع الصوت الأخير لنرى الدماء منهمرة ممزوجة بألم الناس ووجعهم لذلك يصرخون. إن الشاعرة هنا توظف الصمت توظيفاً جيداً، وتشكل به رؤيتها الفنية البالغة النضج بعيداً عن الجلبة والصراخ بالتعبيرات المباشرة التي ألفناها في هذا المقام.

وترصد الشاعرة، في صورة أخرى، مراحل موت النداء، وتمزق أوصاله، تقول الشاعرة:

من يقايض صمتاً بعيد؟

ويعلن فينا احتفاء القصيد؟

ألفنا تسول أفراحنا في المنافي

نزيف القوافي

التشظي على القارعة

بين الصدى والتواريخ يا وطني

والنداء البليد

رضينا بأصداء أمس تليد

تلبّس أيامنا الضائعة

احترفنا الأهازيج

والشوق

والغصة الدامعة (ص71)

هي دعوى إلى الانعتاق من أسر الماضي، فإذا كنا سوف نجتر الماضي فليكن السكوت أفضل، وليختفي الشعر من حياتنا إذا كان هدفه استعادة الماضي، فحتى أفراحنا نسرقها من الراحلين، والقوافي الممجوجة تجعلنا أسرى حياة لم تعد مناسبة لنا، ونحن نردد كلماتهم وأصواتهم، نبكي لهم، ونشتاق بالنيابة عنهم، وتدمع أعيننا دون سبب، فهذه الرومانسية الحالمة لابد أن تنتهي، ونتمرد عليها لنحقق لوطننا دعائم القوة والنجاح، الشاعرة ترحب بالصمت، ولكنه الصمت الرافض هنا، والصورة الشعرية تمتاز هنا بثراء الحركة وتوظيف العناصر المختلفة:

صورة الإنسان الذي يتسول الفرحة من الآخرين صورة مضحكة مبكية معاً.

أضحى الشعر مملاً متخماً بالقوافي التي تعيد وتزيد وتسترجع في الوقت الذي نقف فيه في مكاننا والعالم يتحرك، نزيف القوافي هنا يجسد انتهاء الفن الجميل بعد أن ذبح على معول العادة والتكرار.

الصورة في التشظي على القارعة فيها الاشتعال والانتظار لكن لأي شيء؟ فلا شيء يأتي.

أيامنا التي نحياها ارتدت زياً قديماً من أزياء الماضي، ولأنها أيام ضائعة لم نحرص عليها أو نحافظ على حركتنا فيها، فإنها تتدثر في أكفان الماضي. وتمضي الصورة إلى نهايتها لتقنعنا في النهاية أن ننحاز إلى الصمت ونختاره دون سواه، خصوصاً إذا كان صمتاً قادراً على الرفض.

وفي صورة أخرى نجد الشاعرة تستخدم نوعين من الصمت، الصمت الأسود الذي يدمر المجتمع، والصمت الفاعل الذي تنادي به دائماً، وعلينا أن نتدبر اختلاف النوعين من صورها الشعرية التي يمكن إدراكها بعد القراءة الأولى لهذا المقطع:

نتآكل في الصمت همهمة وصراعاً

لننزع من حائط الصبر تقويمنا

ونحمل أرواحنا

ونرحل خلف الحدود

ربما الصمت ليس مشاعاً..

هناك بأرصفة

يجلجل فيها صدى الأغنيات

نرسم للحلم سارية وشراعاً..

فغمغمت الشمس شاحبة:

.. كل البحار تروح في الصمت

كل البلاد تموج به

لا تحتويه حدود

هو الصمت يحصر أنفاس هذا الوجود..! (ص99-100)

ويصدق أكثر على هذه الصورة عنوان هذا الجزء من الدراسة: التشكيل بالصمت، فالصمت هنا يتولى رسم ملامح صورته بوجهيها، صورة مقبضة (نتآكل - ننزع - نحمل أرواحنا - نرحل). وكل التعبيرات السابقة تؤدي إلى نتيجة واحدة: الانتهاء - الإمّحاء - والتلاشي، ويصبح الرحيل بحثاً عن نوع آخر من الصمت هو الحل. (ربما الصمت) -يقصد السلبي- (ليس مشاعاً) ويرسم صورة أخرى متفائلة للنوع الثاني من الصمت، وهو الصمت الفاعل، القادر على خلق صور بديلة، هو صمت (يجلجل بالأغنيات - نرسم به أحلامنا)، وعن طريق المقارنة تترك لك الشاعرة أمر الاختيار، هي لا تختار لك فاختر أنت الذي يناسبك بين نوعي الصمت. وتعود الشاعرة للتدخل في الاختيار تقول لك: إن الصمت الأسود يدمر ويحصر أنفاس الوجود، وحين يخير الإنسان بين الموت والحياة فلا بد أن ينحاز إلى الحياة.

وللصمت شرنقة يخترقها الأمل والحلم إذا كان قوياً قادراً على الاختراق، لنطالع هذه الصورة الأخاذة، تقول:

واستيقظي حين شدو البلابل

يخرق شرنقة الصمت

واستقبليني بفاتحة من غناء.. (ص101)

إن الصمت السلبي المشين غير قادر على مقاومة الحياة، إنه ينزاح من طريق السعداء القادرين على الأمل. وصورة شدو البلابل الذي يخرق شرنقة الصمت من الصورة الجريئة الجديدة، ولتجسيد هذه الصورة الذهنية علينا أن نجهد أنفسنا في تخيل وقائعها: إن البلبل حين يغني فهو ينتصر على الصمت الأرعن المميت، إنه لحن الحياة الذي يرفض الموت ويعلو عليه، والصمت له شرنقة، إشارة إلى سوداويته وتأثيره القاتل على الإنسان، فهو يشرنقه وينهي حياته لو استطاع..

* * *

وبعد.. فلقد كانت سياحتي مع هذا الديوان ممتعة حقاً، ولا أريد أن أفسد متعتي ومتعة القراء بإزجاء النصائح والإرشادات إلى الشاعرة، فذلك ادعاء لا طائل من ورائه، بل يفسد العمل الفني الجميل، وسيظل الشاعر الفنان شاعراً حراً طليقاً، وسيظل الناقد ناقداً، يشهر سيفه أحياناً في وجه العمل الفني فيمزقه ويشرحه، وتلك بطولة لا ندعيها، وهناك ناقد آخر يصطاد الفراشات الجميلة مكتفياً بلذة القنص وجمال التكوين الذي امتلكه وشارك فيه الفنان، وكلاهما على حق، فالساحة الأدبية في حاجة إلى الاثنين معاً، ولكني استمتعت حقيقة بهذا الديوان وبصحبة هذه الشاعرة التي تحلم بالقادم، وتنتظر الغد العربي، لقد غنت الزرقاء وكان غناؤها مرثية حزن على الواقع الذي نعيشه، والأمل الذي نجهضه، فهل وصلت أغانيها إلينا؟!

عميد كلية الدراسات العربية جامعة المنيا، وأستاذ الأدب الحديث والنقد بكلية الآداب بالرياض.
370311