العامل الديني في الثقافة الوطنية
التحرير - 23 / 2 / 2011م - 1:44 م - العدد (18)

ثمة إجماع على أن الوعي الوطني يتولد من العناصر الثقافية المشتركة بين الأمم والجماعات. وقد لاحظ علماء الاثنيات والاجتماع السياسي بأن الأمم العريقة ذات العناصر الثقافية المشتركة يكون فيها الوعي الوطني، أي وعيها بذاتها وبهويتها الوطنية أكثر رسوخاً من الأمم الحديثة التي لم تتبلور فيها هذه العناصر. وتبدو الصورة أكثر وضوحاً بالنسبة للأمم التي تحتضن جماعات ثقافية متنوعة، حينئذ تتعزز الحاجة إلى تحفيز عناصر ثقافية مشتركة مستمدة من تراث هذه الجماعات لجهة استخراج هوية وطنية جامعة. بكلمات أخرى، خلق إطار ثقافي عام تتمثل فيه كل جماعة، يشكل الأساس الأيديولوجي للمرجعية الوطنية والإجماع العام.

والمناخ الذي يصنع فيه الوعي الوطني يتطلب استعداداً حقيقياً من كل الجماعات للتنازل عن جزء من خصوصياتها الثقافية لصالح الإطار الوطني العام الذي يراد من كافة الجماعات أن تنداث فيه، كما يتطلب مصالحة جماعية لجهة توكيد مرجعية هذا الإطار الوطني.

مجتمعاتنا، وخصوصاً الخليجية منها، تعتبر بمقاييس الزمن حديثة التكوين، وهذا لا ينتقص من كونها كذلك. ففي هذه المجتمعات من العناصر الثقافية المشتركة ما يؤهلها لإنتاج وعي وطني عام، ومن أهم هذه العناصر: الدين، الإقليم، اللغة، العادات الاجتماعية.

بيد أن هذه العناصر المشتركة تعتمد كثيراً على طبيعة توجيهها، فقد تستثمر في تشييد بناء وحدوي تضعن إليه جماعات عديدة متنوعة، وقد توظّف - هذه العناصر - في أحيان أخرى لجهة تعزيز النوازع الانقسامية داخل كل جماعة، بحيث تتحول هذه العناصر بمرور الوقت إلى عناصر تجزئة وتقسيم وليس عناصر توحيد وتكامل.

وليس بوسعنا هنا استعراض هذه العناصر، فهذا بحاجة الى مساحة بحثية كبيرة نسبياً، وسنكتفي بتسليط الضوء على العنصر الديني لدوره المركزي في تشكّل وعينا الثقافي، للتعرف على طبيعة التوجيه الديني وانعكاسه على الوعي الوطني.

فليس ثمة شك في أن العنصر الديني يتبطن طاقة توحيدية هائلة تعجز العناصر الأخرى، في أحيان كثيرة، عن توفيرها. فالإسلام جاء برسالة توحيدية وبنى إطاراً مجتمعياً راسخاً اندمجت في داخله قبائل متناحرة وجماعات اثنية وقومية متعددة، وتحوّل خلال قرن واحد الى هوية حضارية ساطعة ينتمي اليها طيف واسع من البشر.

ذلك كان الدور التاريخي للدين، ولكن هذا الدور، وبفعل اختلال التوجيه والتوظيف السياسي والأيديولوجي تحوّل الدين في القرون الأخيرة إلى ساحة للصراعات المذهبية والطائفية. فعوضاً عن تفتيش كل جماعة في ثقافتها عما يشحن الروح الوطنية، فإذا بالانزلاق الطائفي يدفع بهذه الجماعة كي تحيل من ثقافتها إلى دباية تقذف بقنابل التكفير والتجريم ضد الجماعة الأخرى. وإذا بهذه الجماعة تعبئ روح العداوة وتشن حملات الكراهية ضد الجماعة الأخرى، بل أصبحت كل جماعة ترى في الأخرى العدو التاريخي الذي يهدد وجودها ويتآمر على وحدتها، وبلغ التهالك بتبادل الاتهامات الى حد باتت معه هذه الجماعة تصدّق مقولة موهومة بأن تلك الجماعة تحيك خيوط مؤامرة في الخفاء "بالتعاون مع اليهود والنصارى" لنسف الكيان الإسلامي الذي تجسده الجماعة الأخرى، المتآمر عليها. وللأسف هذه هي البضاعة الثقافية التي مازالت رغم انتهاء صلاحيتها تغزو أسواقنا، والتي فيها أيضاً امتحان لوعينا الوطني والديني معاً.

ويمثل الإنترنت حالياً الساحة التي تختبر فيها استعداداتنا الثقافية لبناء وعي وطني، فهذه الساحة المنفلتة، الى حد كبير، من عقال الرقابة تسمح للجماعات الدينية على اختلاف توجهاتها المذهبية للتعبير عن نفسها بحرية تامة وتكشف عن نفسها للآخر بصدق كامل. وهذا يدعونا للتأمل في طبيعة وعي هذه الجماعات بالمعاني السياسية والدينية الكبرى مثل الوطن والأمة ووحدة المجتمع.

وبكلمة صريحة ومباشرة، إن ما تبثه ساحات الحوار في مواقع الإنترنت حالياً والتي يتخذ الكثير منها قواعد محلية للانطلاق ليست سوى عملية استنقاع بالوعي الوطني، وتطفيل للإدراك الديني العام بما يحيل هذه الجماعات المتحاربة على شبكة الإنترنت إلى مجرد مراهقين يمارسون لعبة "الأتاري" يكون الإسلام فيها جزءاً من هذه اللعبة الهابطة. هناك يتفنن اللاعبون في التراشق بآيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ليمزجوها بكلمات يصعب على قاموس البذاءة حمله. ورغم ذلك فإن هؤلاء اللاعبين يطلقون على هذا التراشق "حواراً إسلامياً"، فنادراً ما يخلو موقع من "ساحة حوار إسلامي"، ونتمنى ألاّ يطلع عليها غيرنا حتى لا نتهم في عقولنا.

في (ساحة الحوار الإسلامي)، يتم تلغيم الوعي بفتاوى أقل ما يقال عنها إغير مسؤولة، ويتم استدعاء كل العطب التاريخي المتمثل في تراث الخلافات المذهبية، لنبش قبور الأموات ودفن الأحياء مكانهم.. وفي (ساحة الحوار الإسلامي)، يتم تمزيق الوحدة الوطنية، باسم هذا شيعي "رافضي" وهذا سني "ناصبي". ومما يؤسف له أن ثمة جهداً جبّاراً يبذله "المتحاورون!!" لبعث مقولات لو سكت عنها لكان الزمن كفيلاً بدفنها.

ونكاية بالزمن وبنا، ضحايا هذا النهج التقسيمي، فإن المتحاربين وإيغالاً في التخلف، فإنهم يتمترسون خلف خطاب تجهيلي يراد منه شرعنة عمليات التدمير المتبادل، بل يتسلح كل متحاور بمنطق ديني صلب، محشو بالآيات الكريمة والحديث النبوي الشريف، وتعليق (علماء الأمة وسلفها)، لتكون الذخيرة الدينية جاهزة لتفجير وعينا الوطني ووحدتنا المجتمعية وسلامنا الأهلي.

وهذه الذخيرة الدينية هي المتعهدة بتوفير الغطاء الشرعي لاستعمال لغة العنف (بأشكال مختلفة) كوسيلة تخاطب بين الجماعتين. فمن هذه الأشكال، العنف الإلكتروني الذي يتم به نسف موقع الخصم وتدميره، أو الدخول عليه وسرقة محتوياته، باعتبار أن ذلك مكفول دينياً يباركه علماء الأمة سلفها وخلفها.

ويظل السؤال الفارض نفسه دائماً: وإلى متى؟ ولمصلحة من كل هذا؟

سؤال نثيره في وجه المفتونين بتاريخ الخصومات والانقسامات، كي ينتقلوا من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز ويفتشوا فيه عن مصادر إجماعنا، فلسنا بحاجة إلى "إسرائيل" كي تدير حروب الطائفية بالنيابة عنا، فرغم كوننا مجتمعات استهلاكية، فإن الطائفية التقسيمية هي البضاعة الوحيدة التي تصنّع محلياً وبكفاءة عالية أيضاً، بل ولدينا فائضاً إنتاجياً هائلاً يمكن تصديره لساحات أخرى.

رسالتنا الوطنية نبعث بها إلى علماء الإسلام قاطبة، ونقول: إن الفتاوى، والمقالات، والكتب والدراسات المذهبية في صورتها المتوترة الراهنة تمثل المادة الانفجارية التي يتم بها تلغيم الوعي الوطني وتزيد الفواصل الثقافية والمفارز الاجتماعية والنفسية بين أبناء البلد الواحد. وإن المسؤولية باتت جماعية لإحراق هذا التراث الملغوم الذي يحاصر وعينا الوطني ويحول دون تناميه. فنحن نعيش في مجتمعات حديثة لم تأخذ فرصتها الكاملة في تشكيل وعيها الوطني، ولابد من بناء ثقافة وطنية مشتركة تحتوي على عناصر الجذب لكل الجماعات وتؤهلها للدخول في مصالحة وطنية تثمر في بناء إطار مشترك ينضوي فيه كل الأفراد على أساس المواطنة دون الإضرار بخصوصياتهم الثقافية والمذهبية والاجتماعية.

وإذا كان الماضي لم يسمح لهذه الجماعة بالانفتاح على الأخرى لوجود مناخات متوترة، وانعزالات اختيارية وقسرية بين هذه الجماعات، فإن منطق العصر والظروف العصيبة التي تشهدها بلداننا والتحديات الداخلية والخارجية تشكل حافزاً قوياً لهذه الجماعات من أجل سحب المبادرة من يد المتراشقين على شبكات الإنترنت وفي الندوات الشبابية أو المنتديات الطائفية ووضعها في يد ذوي الحكمة من هذه الأمة من علماء ومثقفين ورجال فكر وسياسيين متحررين من ربقة التاريخ العبء، ليتكفلوا بتشجيع ثقافة وطنية مشتركة وتعميمها بين أبناء البلد الواحد.

358517