عبد الله بن نصر الله(*)
1311 هـ - 1374 هـ/ 1894 - 1955 م
علي باقر العوامي * - 24 / 2 / 2011م - 12:24 ص - العدد (18)

وهذه شخصية من شخصيات القطيف في تاريخها الحديث. لعبت دورا هاما في مجتمعها، وكانت مركز ومحط أنظار الناس عندما يجدون أنفسهم أمام مشكلة ما يحتاجون إلى من يقوم بالسعي الجاد لحلها، لاسيما حينما تكون المشكلة بين المواطنين والدولة، خصوصا في القضايا الاقتصادية، كضرائب الزكوات، وغيرها، ولقد كانت هذه المشاكل في الفترة التي عاشها "عبد الله نصر الله" كبيرة وكثيرة ومتواصلة، وكانت سببا في التوتر الدائم المستمر بين المواطنين والدولة قبل ظهور النفط، فكان عبد الله نصر الله أحد الأقطاب البارزين - إن لم نقل أبرزهم - الذين يلجأ إليهم المواطنون طالبين تدخلهم لدى الدولة لتخفيف عبء الضرائب الباهظة التي كانت تُثقِل كاهل المواطنين. ولقد أهلَّه للإضطلاع بهذا الدور؛ كونه من أسرة احتل أفرادها مراكز الزعامة السياسية، فعمه "أحمد بن مهدي نصر الله" الشخصية الشهيرة، سياسيا وأدبيا، فهو الشاعر ذو النظم الجزل، وهو الزعيم السياسي البارز، وهو الجواد الكريم، وهو القائد المحنك، ولقد لعب أحمد بن مهدي دورا بارزا في أواخر الدولة السعودية الثانية، وفي السنوات الأولى لحكم الدولة العثمانية، حينما استولت على الأحساء والقطيف، وأنهت الحكم السعودي، وكان لأحمد بن مهدي دور بارز في تلك الأحداث[1] ، ولقد كافأته الدولة العثمانية عن هذا الدور بأن منحته "نيشان مجيدي" من الرتبة الخامسة تكريما له لخدماته التي قدمها للجنود العثمانيين في لواء الأحساء بناءً على التماس والي البصرة ناصر الدين السعدون بخطابه المؤرخ في 24 ربيع الأول 1293هـ إلى الصدر الأعظم. وكان أحمد مهدي نصر الله هو الوحيد في تاريخ الوجود العثماني - في لواء الأحساء عامة، وفي قضاء القطيف خاصة - الذي يعهد إليه بمنصب إداري قيادي بارز، وهو منصب قائم مقام القطيف في الفترة من محرم 1292 هـ - 1296 هـ 1875 - 1878م[2] .

نسبه وأسرته:

هو عبد الله بن نصر الله بن مهدي بن أحمد بن محمد بن نصر الله[3] ، ونصر الله والده هو شقيق أحمد بن مهدي الّذي أشرنا إليه قبل قليل، وآل نصر الله هم فرع من أسرة آل أبي السعود كما هو معروف ومشهور بالقطيف، أو آل البيات كما تؤكد ذلك الوثائق[4] .

مولده ونشأته:

ولد في عام 1311 هـ - 1894 م، وتوفي في 17 من شهر ذي الحجة عام 1374 هـ الموافق 5 أغسطس 1955 م، وقد توفي والده وهو لا يزال صبيا يافعا لم يبلغ الحلم بعد، إذ كانت وفاة والده في 22 محرم عام 1322 هـ[5] ، فتولت تربيته والعناية به والدته نصرة بنت محمد بن أحمد بن محمد بن نصر الله[6] ، وهي من نفس الأسرة. فربته تربية صالحة، وغرست فيه حب الخير، والمبادئ الدينية، وحب علماء الدين، وتقديرهم، كما ربته على حب الناس وخدمة من يحتاج إلى خدمته من أبناء وطنه، ومجتمعه. ولقد أثمرت هذه التربية؛ فقد كان على صلة قوية برجال الدين العلماء المجتهدين من أبناء القطيف، كالشيخ علي بن الحاج حسنعلي الخنيزي (أبو عبد الكريم)، والشيخ علي بن الحاج حسن الخنيزي (أبو حسن)، والشيخ عبد الله المعتوق، والسيد ماجد بن السيد هاشم العوامي، والشيخ علي بن حسن الجشي، وغيرهم من الأفاضل، ولقد رأيت عبد الله نصر الله يقوم بزيارة السيد ماجد في أول شهر رمضان مهنئاً إياه بشهر الصيام، كما كان يزوره في عيدي الفطر والأضحى مهنئا، كما أن السيد ماجد كان، في كل عام من شهر رمضان، يقوم بزيارته في بيته على الرغم من أن السيد ماجد كان في سن متقدمة، وكان يشكو من ألم الركبة، ومع ذلك فقد كان يتجشم ويصعد الدرج حتى الدور الثالث حيث كان مجلس عبد الله نصر الله. كما كان عبد الله نصر الله معروفا لدى العلماء المراجع في النجف الأشرف - العراق، فحينما توفي السيد ماجد العوامي، وكان آخر العلماء المجتهدين الموجودين بالقطيف، ورأى المراجع من العلماء بالعراق أن القطيف تحتاج لعالم مجتهد، وكان الشيخ علي الجشي هناك في النجف يواصل دراسته للعلوم الدينية، وقد بلغ مرتبة الإجتهاد، فطلب منه المراجع أن ينزل للقطيف لأنها بحاجة إليه، فاستجاب الشيخ، وعندها كتب كل من السيد محسن الحكيم، والشيخ محمد رضا آل ياسين لعبد الله نصر الله - باعتباره زعيم البلاد - أن يبذل جهده لدعم وتأييد الشيخ علي الجشي.

عمله الوظيفي ونشاطه الاجتماعي:

في عام 1329 هـ تزوج إحدى بنات عمه "عبد الله الشيخ علي بن محمد بن نصر الله"، وتزوج الزواج الثاني عام 1334 هـ بكريمة علي بن محمد بن حسن آل الزاير.

وفي عام 1341 هـ سافر للأحساء للإلتقاء بالملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - وقد جرى بينه وبين الملك عبد العزيز حديث طويل، وقد أعجب به الملك فولاه وكالة بيت المال في بلده القطيف حتى عام 1349 هـ، ثم فصل من هذه الوظيفة على أثر الأحداث التي جرت في القطيف[7] .

سبق أن قلت، في أول هذا الحديث، أن الفترة التي عاشها ابن نصر الله كانت مليئة بالمشاكل والتوترات بسبب الضرائب التي كانت تُثقِل كاهل المواطنين، وهذا الشيخ فرج العمران يشير إلى أن سبب فصل بن نصر الله من وظيفته؛ الأحداث التي وقعت في القطيف، ولكي يعرف الجيل الجديد الذي لم يعاصر تلك الفترة ما هي هذه الأحداث، وكيف كان الوضع يومذاك بين الأهالي وبين الدولة؟ لابد لنا من وقفة موجزة تشير إلى طبيعة تلك الظروف، حتى نستطيع فهم الأدوار التي لعبها رجالنا وشخصياتنا، وكيف واجهوا الظروف الصعبة التي كانوا يعيشونها؟

في عام 1331 هـ - 1913 م كان دخول الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - الأحساء والقطيف، ومن الصدف غير الموفقة أن هذه الفترة كانت بداية الإاحدار الإاتصادي لا في القطيف والأحساء فحسب، ولكن في كل منطقة الخليج العربي، لقد كانت المنطقة - قبلها - تعيش في فترة اقتصادية مزدهرة بسبب ازدهار عملية استخراج اللؤلؤ - الغوص - ورواج هذه البضاعة المستخرجة من قاع الخليج - اللؤلؤ- وكانت القطيف والأحساء تعيشان هذه النعمة. يضاف إليها خصوبة أراضيهما، وازدهار الزراعة، ومن ثم التجارة بسبب القوة الشرائية لدى المواطنين، ومن هنا كان تطلع الملك عبد العزيز للسيطرة على القطيف والأحساء منذ الشهور الأولى لاحتلاله الرياض عام 1319 هـ - 1902 م حتى تساعده ثرواتهما على تمويل حروبه، وتحقيق طموحاته في توحيد الجزيرة، غير أن قوة الدولة العثمانية حينذاك جعلته غير قادر على مناطحتها[8] ، وحينما لاحت الفرصة، وأصبحت الدولة العثمانية في حالة من التفكك والإنحدار؛ وثب عبد العزيز، وحقق حلمه، وسيطر على الأحساء والقطيف، ولكن، كما قلنا، إن عبد العزيز حينما جاء للمنطقة كانت فترة الإنتعاش والرخاء الإقتصادي قد بدأت في الإنحدار، بسبب ظهور اللؤلؤ الصناعي المزروع في اليابان، ومنافسته للؤلؤ الطبيعي المستخرج من الخليج في الأسواق العالمية أولا، وثانيا قيام الحرب العالمية الأولى عام 1913 م - أي عام دخول الملك عبد العزيز الأحساء والقطيف، وبعد دخول الملك عبد العزيز القطيف كانت الضرائب التي تستحصلها الدولة من المواطنين تنقسم إلى ثلاثة أقسام.

أ - ضرائب النخيل:

وهي الزكوات، ومن المعروف أن زكاة النخيل هي عشر محصول الثمرة، غير أن الضريبة التي كانت تؤخذ من صاحب النخل في أول الأمر لم يكن ثمر النخيل عينا - كما صار بعد عقود من دخول الملك عبد العزيز- ولا قيمة الثمرة المستحقة للدولة على صاحب النخل حسب سعر السوق - كما هو الآن - وإنما كان يجري إحصاء كل نخل على حدة، ثم تقسم النخيل إلى فئات ثلاث:(أعلى، أوسط، أدنى)، وكان على كل فئة من هذه الفئات رسم معين من الدراهم، بغض النظر عن المحصول، وما إذا كان جيدا أم لا، كما أن عد النخيل لا يجري كل عام، وإنما كان يجري كل خمس سنوات، وعلى المالك أن يدفع ماكان مقدرا على نخله من ضريبة، مهما حدث لنخله من تغيرات، أو طرأ عليه من أحداث، كما أن تقسيم النخل إلى الفئات المذكورة كان فيه الكثير من التجاوز بحيث يعد المتوسط من النوع العالي، والأدنى من النوع المتوسط، وقلما تجد ما يعد من النوع الأدنى إلا القليل المتهالك، وبعد ما يقرب من عقدين، وبعد الإضطرابات والتمرد الذي حدث، الذي أشار إليه الشيخ فرج؛ جرى تغيير هذا النوع من الضرائب، وصارت الدولة ترسل كل عام عند اكتمال حمل النخيل أناسا أخصائيين من نجد والأحساء (خراصين) يقومون بالمرور على كل نخل ويعاينون ثمرته، ثم يقدرون أنه ينتج كذا «قلة» تمر، ولكن حتى هؤلاء الخراصين كانوا يشتطون في تقديراتهم، وخرصهم إلا أن الأمر كان أهون كثيرا من سابقه، وكانت الدولة تأخذ مستحقها من الزكوات - حسب تقدير الخراصين - عينا، بحيث يقوم المالك بإيصال ما عليه من تمور إلى مستودعات الدولة في مقر إمارة القطيف «الدرويشية»، ويسلمها إلى مأمور المستودع. ولست أعرف ما إذا كان نظام العد ورثه الملك عبد العزيز من تركيا، أم انه هو الذي ابتكر هذا النظام؟ وإن كنت أظن أنه نظام كان قائما من عهد تركيا، وسار عبد العزيز على نهجه، غير أنه من المؤكد أن هذا النظام كان ينطوي على غلو فاحش في ضرائب النخيل، ولقد تحمل المواطنون أول الأمر هذه الضرائب لأنهم كانت لا تزال لديهم مذخرات، وكانت الأزمة الإقتصادية في مراحلها الأولى، غير أن استمرار الأزمة أدى إلى تدهور أسعار ثمار النخيل، ومن ثم هبوط الدخل بالنسبة إلى الملاكين في حين ظلت الضرائب على حالها، مما أدى إلى تفاقم الوضع، ولقد رأيت - وأنا طفل صغير - والدي يحمل - بين حين وآخر - تحت عباءته منديلا مشحونا بقطع الحلي الذهبية، ويذهب بها إلى أحد الصاغة بالسوق ليبيعها إياه، وكانت هذه القطع الذهبية تعود لعمه - السيد ماجد العوامي - ليسدد بها الضرائب المطلوب بها، كما رأيت أحد الملاكين الكبار من آل السنان، والخوي يدفعه وسط السوق يطلب منه التوجه لمقابلة الأمير، وهو يقول له اعطني فرصة حتى أستطيع أن أجد من يشتري مني تمرا فأذهب لأسدد الزكاة، لكن الخوي قال له لا أستطيع، بل أذهب بك إلى الأمير وهو يتصرف معك.

ب - الرسوم الجمركية:

كانت الجمارك في العهد التركي مضمنة على " علي بن فارس"، ولقد أبقاها الملك عبد العزيز على وضعها، وظل علي بن فارس يستحصل الرسوم على البضائع الواردة في جمركي القطيف والعقير بالأحساء، ويدفع سنويا للملك عبد العزيز مبلغا معينا، وظل هذا الحال حتى وفاة ابن فارس عام 1340 هـ، وعنده تحولت الجمارك تحت إدارة الدولة مباشرة، وعين فيها موظفون، وهذا النوع من الضرائب لم يكن له أثر مباشر على الناس، إذ هي تستحصل على البضائع، وإن كان البعض يتهم بن فارس بأنه يغالي في استحصال الرسوم.

ج – الجهـــــــاد:

من المعروف أن الملك عبد العزيز كان يجند الرجال من نجد في حروبه وغزواته، لكنه لم يكن يأخذ من الأحساء والقطيف رجالا، بل كان يأخذ بدل الرجال ضريبة نقدية تسمى (( الجهاد ))، ومع استمرار الأزمة، وارتفاع ضرائب النخيل كان الجهاد عبئا إضافيا يُثقِل كاهل المواطنين، وفي عام 1347 هـ صدر أمر بمضاعفة ضريبة الجهاد، أو ما سمي آنذاك بـ(( الجهاد المثني ))، أي المضاعف، وكان الباعث على هذه الخطوة هو حاجة الملك عبد العزيز للمال إثر فتحه الحجاز، فضج الناس، لقد كانوا يئنون ويتألمون من الضرائب التي عليهم، وإذا هم يفاجأون بمضاعفتها، وهنا حدث تمرد وعصيان من بعض مدن وقرى القطيف، ورفضوا تسليم الزكوات، وطردوا مندوبي الدولة - الأخوياء - الذين كانوا يجوبون المدن، والقرى لاستحصال الزكاة، وحمل بعضهم السلاح، وذهب بعض منهم، وفيهم بعضٌ من عمد المدن، إلى البحرين واتصلوا بالمقيم في الخليج، وطلبوا منه أن تتدخل بريطانيا، وتحكم القطيف، وتطرد بن سعود منها، ويقال إن المقيم في الخليج رحب بهؤلاء الثائرين، وأنزلهم في محلات هيأها لهم، وصار يصرف عليهم، وإنه كتب لحكومته مؤيدا الخطوة، ومحبذا إياها، غير أن حكومته لم تأخذ بوجهة نظره، ولم تستجب لطلبه، وتريثت في الموضوع لبينما تنجلي القضية بين المواطنين وابن سعود، ولكن السبب الرئيسي في فشل هذه الحركة هو عدم تأييدها من قبل رجالات القطيف، وأعيانها في حاضرتها "القلعة"، وفي طليعتهم شيخ القطيف آنذاك، وعالِمها وقاضيها، فضيلة الشيخ علي الحاج حسنعلي الخنيزي، إذ أفتى بأنه لا يجوز أن نسلم البلاد لبريطانيا لأننا حينئذ نكون قد سلطنا كافرا على بلد إسلامي، وهو ما لا يجوز شرعا، ثم كُتِب خطاب للملك عبد العزيز، وفيه شرح للأوضاع السيئة التي آلت إليها البلاد، وهو الشيء الذي دفع هؤلاء للقيام بما قاموا به، والطلب منه أن يعالج الأمر بما عرف عنه من حنكة وبعد نظر، وقد وقع الكتاب - بالإضافة إلى الشيخ علي - أعيان البلاد وشخصياتها، وفي طليعتهم عبد الله نصر الله، ولقد تفهم الملك عبد العزيز الموضوع، فقدم إلى المنطقة، ونزل الجبيل، واستدعى أمير القطيف، والشيخ على الخنيزي وكل الموقعين في الخطاب، وحاورهم، واستمع إلى وجهة نظرهم، فأمر بإسقاط كل الديون المتبقية للدولة من ضرائب على المواطنين، وأصدر عفوا عن كل المتمردين الذين حملوا السلاح، بمن فيهم الأشخاص الذين توجهوا للبحرين، واتصلوا بالحكومة البريطانية، وسمح لهم بالعودة إلى مدنهم وقراهم، كما أنه جرى تغيير نظام زكوات النخيل، وتحويله من طريقة عد النخيل وتقسيمها إلى فئات من حيث قوة النخلة ونشاطها إلى خرص الثمرة، وتقدير كمية الإنتاج كما هو فوق النخلة، وأخذ العشر فقط (10%)، وألغيت ضريبة الجهاد، فانخفضت الضرائب، وبذلك تنفس الناس الصعداء[9] ، غير أن حالة العوز والفقر، وضعف الحالة الاقتصادية ظل مسيطرا حتى مجيء شركة الزيت بعد بضع سنوات، وظهور النفط.

ومن المفارقات أن أمير القطيف، حينذاك، اتهم بن نصر الله؛ بأن له يدا في تأجيج التمرد، وحث الناس على العصيان من وراء الستار، مما أدى إلى فصله من وظيفته كمدير لأملاك الدولة، في حين فسر بعض المتمردين موقف عبد الله نصر الله القوي، ومعارضته لحركتهم بأنه عون للدولة بسبب وظيفته.

إن هذه الحادثة ليست إلا ذروة التوتر الذي كان قائما بين الدولة والمواطنين بسبب فحش الضرائب، وارتفاع وتيرتها، وخلال عقد ونصف من السنين، من حين دخول الملك عبد العزيز القطيف وحتى عام الأحداث، لم يفتأ المواطنون يواصلون الرفع والكتابة للملك عبد العزيز شاكين ارتفاع الضرائب، وعدم قدرتهم على تحملها، كما أن الوفود كانت - بين حين وآخر- تسافر للرياض للقاء الملك عبد العزيز، وشكاية الحال عنده، وكان بن نصر الله دائما في طليعة هذه الوفود، وكان الملك ينظر إليه بصورة خاصة بعين التقدير والتجلة، ويرى فيه شخصا متزنا وبعيد النظر.

وفي عام 1358 هـ أعيد إلى وظيفته كمدير لأملاك الدولة بالقطيف، بعد أن تبينت براءته مما اتهمه به أمير القطيف لدى أمير المنطقة الشرقية، يومذاك الأمير سعود بن جلوي[10] ، ولقد ظل في وظيفته حتى وفاته. كما أنه أصبح عمدة لمدينة القلعة - حاضرة القطيف - بالإضافة إلى وظيفته - كمدير لأملاك الدولة - حتى وفاته، ويومها لم تكن العمدوية وظيفة لدى الأمن العام - الشرطة - يتقاضى العمدة عليها راتبا من وزارة الداخلية - كما هو الآن - بل كانت العمدوية مركزا شرفيا رئاسيا، وكانت تكلف صاحبها مسئوليات اجتماعية ومادية باعتباره زعيما، وشخصية اجتماعية.

لقد أطلعني بن أخيه، وزوج إحدى ابنتيه السيد/ منصور حسن نصر الله على مجموعة من أوراق عمه "عبد الله نصر الله"، ومنها مراسلاته مع العلماء وبعض شخصيات وأعيان البلاد التي تتناول قضايا وشئون البلاد ومشاكلها، كما كان فيها بعض من مراسلاته مع بعض الرسميين من موظفي الدولة، وكان من بينها رسالة من (( حسن أفندي )) مدير المالية بالمنطقة تدور حول راتب الإمام عبد الرحمن - والد الملك عبد العزيز - ومنها يتبين أن راتب الإمام كان يُدفَع إليه من إيرادات أملاك الدولة بالقطيف، حيث كان بن نصر الله مديرا لها، وهذا هو نص الرسالة.

(جناب الأخ المكرم عبد الله بن نصر الله المحترم سلمه الله.

بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تشرفنا بكتابكم، وبما عرفتم صار معلوم. منطرف (كذا) معاش الإمام الذي سلمتموه في حادي من هذا الشهر هو معاش جمادى الأول، وفي ظن الأمير يطلب منكم معاش جمادى الآخر مقدم. فإذا كان كذلك اصبر إلى أن أصل طرفكم ويصير خير لا تغلط في الأصل معاش الإمام يسلم له في أول الشهر. مثلا: معاش جمادى الأول يسلم في أول جمادى الأول. ما يسلم في آخره. راجع الدفاتر تجد كلامي صحيح (كذا)، وإن كان بخلافه فأنت ساهي وغلطان. اجتهد في بيع التمر حتى الوصول لكم أجد عندكم مبلغ جسيم من الدراهم. هذا ما لزم، ودمتم محروسين.

في 7 ج 1 / 345 - حسن عبد الله أفندي)


 (صورة فوتساتية لرسالة حسن أفندي)

ولعل ثمة من يتساءل لماذا يُدفَع راتب الإمام - وهو يقيم في الرياض - من القطيف؟ غير أننا إذا استعرضنا أوضاع مناطق المملكة الاقتصادية في تلك الحقبة؛ نجد أن ذلك أمر طبيعي، فالحجاز - يومها - لم تدخل - بعد - ضمن المناطق التي سيطر عليها الملك عبد العزيز، ونجد ليس فيها إيرادات مالية وافرة، وكانت القطيف مركزا رئيسيا للإدارة المالية في هذه المنطقة، فكان فيها إدارة المالية - وكانت تسمى اختصارا "المالية"، كما كان فيها الجمرك، وإدارة أملاك الدولة التي كان يديرها عبد الله نصر الله، وكانت تسمى "بيت المال"، وكانت تتكون من قسمين.

أ - أملاك ورثتها الدولة من الحكومة التركية، وكانت تسمى بيت المال القديم.

ب - أملاك آل جمعة التي صادرها الملك عبد العزيز بعد دخوله القطيف بعام واحد، في قصة طويلة ليس هنا مجال التعرض لها، وكانت تسمى بيت المال الجديد، وهذه الأملاك كانت نخيلا كبيرة وجيدة، وكانت تدر مالا وفيرا. من هنا كانت القطيف - في تلك الحقبة - ذات ثقل اقتصادي هام، ومن هنا كانت القطيف من أوائل المدن في المملكة التي أنشأ فيها الملك عبد العزيز اللاسلكي - إدارة التلغراف - وانتُدِب لها أحد الموظفين من الحجاز واسمه "حسين ناس" - يرحمه الله - وكان ذلك في منتصف العقد الرابع الهجري، كما كانت القطيف من أوائل المدن التي أُنشِئت فيها بلدية، وذلك في عام 1346 هـ، وكان شاعر الخليج المعروف "خالد محمد الفرج" أول رئيس لها، أما الدمام والخبر - المدينتان الرئيسيتان في هده المنطقة الآن - فلم تكونا - يومذاك - إلا أرضا قفراء لا سكن فيها، إذ من المعروف أن قبيلة الدواسر قد انتقلت إلى هاتين المدينتين من البحرين في أوائل العقد الرابع من القرن الرابع عشر الهجري إثر خلافها مع بريطانيا التي كانت مسيطرة على البحرين، واستأذن الدواسر الملك عبد العزيز في السماح لهم بالانتقال للخبر والدمام فأذن لهم[11] . وهكذا بدأت حينذاك هاتان المدينتان في النمو، وكان الدواسر، في أول مجيئهم، قد أقاموا لهم العشش من جريد وسعف النخل استوردوها من القطيف، كما كانوا يستوردون حاجاتهم الغذائية وغيرها من القطيف، وسبحان مغير الأحوال.

لعل من المناسب أن نورد هنا مقطوعة نظمها في مدحه السيد حسن بن السيد أبي القاسم الحلي يقول فيها:

أسليل نصـر الله أنت لنا نـصر

لذاك حلى في مدحك اللف والنشر

تجـود على العافين قبل سؤالهم

مخافـة أن يمسسهم البؤس والفقر

أبـوك قبيل اليوم كان ذخيرةً

كما أنت في هذا الـزمان لنا ذخرُ

قطعنا فجاج البيد ترقل عيسنا

عـشيَّة قد جئنا يجـدُّ بنـا السيرُ

سمـاح ندا كفيك كان دليلنا

ونـورٌ تجلَّى في جبينـك يا بـدرُ

وجدناك لما أن أتيناك ساحبًا

ذيـول المـعالي والمعـالي لها أثـر

وقد ألقت الدنيا إليك زمامها

لك النهي في ما شئتـه ولك الأمر

جنود الندى حفت بك اليومَ مثلما

بجودك جند البخل والبخل قد فرُّوا

ولا فيك لؤم يدنس العرض مشمتًا

عدوًّا وخلاًّ فيه يصحبـه الكـدر

تدرُّ يداك التبر للوفد مثلما

يدرُّ إذا ما غصتُ درًّا ليَ البحـر

لقد كانت لوفاة عبد الله نصر الله رنة حزن وأسى، ولقد رثاه كثير من الشعراء كالشيخ فرج العمران وغيره[12] ، وليس هنا مجال استعراض القصائد التي قيلت في رثائه.

إنه لمن المؤسف أن عبد الله نصر الله لم يخلف ولدا وإنما خلف ابنتين فقط تزوجتا ابني أخيه حسن نصر الله، وإحداهما هي والدة "محمد رضا نصر الله" الصحفي المعروف، رحم الله عبد الله نصر الله، وغفر له، وأسكنه فسيح جنانه.

* * *

(*) - مجلة الواحة . العدد الثامن عشر . الربع الثالث. عام 2000 م.

[1]  راجع ترجمة أحمد بن مهدي نصر الله في كتاب ((أعيان الشيعة )) للسيد محسن الأمين المجلد (3) ص 184 تحقيق وإخراج حسن الأمين طبع دار التعارف للمطبوعات - بيروت عام 1403 هـ 1983 م

[2]  راجع كتاب (( الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف أثناء الحكم العثماني )) للدكتور عبد الله بن ناصر السبيعي، ص 190 الطبعة الأولى عام 1320 هـ - 1999م.

[3]  الأزهار الأرجية للشيخ فرج العمران الجزء (5) ص: 104.

[4]  راجع مقالنا عن (( علي أبو السعود )) في مجلة الواحة الجزء (8) ص 66 وتعقيب عدنان العوامي عليه في نفس المجلة الجزء 13 ص 122.

[5]  الأزهار الأرجية، مرجع سابق .

[6]  الأزهار الأرجية، مرجع سابق

[7]  الأزهار الأرجية، مرجع سابق، ص: 107.

[8]  راجع كتاب (( الشيعة في المملكة العربية السعودية - العهد التركي )) للسيد حمزة الحسن. مؤسسة البقيع لإحياء التراث. ط 1. 1413هـ 1993م. الجزء الأول ص 317 وما بعدها .

[9]  هذه الأحداث اعتمدت في روايتي لها على ما سمعته من أبناء الجيل الذي سبقني، إذ كنت - حين وقوعها - لا أزال طفلا صغيرا لم يبلغ الخامسة من عمره، وليس ثمة تدوينات لها، لهذا فربما يكون فيها نقص أو زيادة، وكل ما أستطيع تأكيده أني سجلت ما ظل في ذاكرتي حسبما سمعت، دون أن أضيف إليه شيئا مني، كما أحب أن أشير إلى نقطة هامة، وهي أنه ربما يفسر البعض ذكري لهذه الأحداث أنني أريد أن أثير أحداثا طواها الزمن بقصد الإساءة إلى سمعة سياسة الملك عبد العزيز الاقتصادية في القطيف والأحساء، ويعلم الله أن ذلك بعيد كل البعد عن قصدي وغايتي .

[10]  الأزهار الأرجية. جزء (5) ص 107 .

[11]  الصحيح أنه مطلع العقد الخامس، وبالتحديد سنة 1341هـ . راجع كتاب (الخبر) للأستاذ عبد الله أحمد شباط. سلسلة هذه بلادنا، الرئاسة العامة لرعاية الشباب. ط 2. الرياض. 1408هـ - 1988 م. ص: 45.

[12]  الأزهار الأرجية، مرجع سابق, جزء (6) ص 68.
كاتب
371099