ثلاثية تحت ضوء قمر الواحة
الرابية - شمس الليل - دهاليز
باقر الشماسي * - 24 / 2 / 2011م - 3:58 ص - العدد (18)

كان واصف في وسط غابة من غابات تلك الواحة المخضرة الفيحاء، ومعروف أن عدد سكانها الأصليين كبير جداً، وقد تراقصت وتعانقت فيها شقائق النعمان وخمائل من أشجار السيسبان والياسمين والزنبقيات، ونخيلات صغيرات (بجوس) يتهادى سعفها الأخضر يمنة وشمالاً، ونسيمات عليلة ربيعية تغازل تلكم الأغصان المتمايلة، وزقزقات العصافير، وخرير الجداول، وصرير السواقي ورقصات أمواج تلك البحيرة التي تسترخي هذه الواحة على ذراعها وما ينبعث منها من صداح النوارس والحباريات وترتيلاتها تشنف آذان الحضور وتطربها، مكونة جميع هذه الإيقاعات كفرقة موسيقية عالمية تعزف إحدى سيمفونيات (بتهوفن)، إنها حقاً كلوحة فسيفسائية رائعة لم يكتحل بصري قط بمثل هذه الواحة النضرة التي كادت أن تحوي كل ما هو رائع وبهيج من أصناف الطيور وجمال الطبيعة، ومنظر هذه الأثمار المتدلية من الأشجار الباسقة، كالرمان، والأترنج والرارنج، والبوبي والموز، وشماريخ البسر والعنب، وعدد لا يحصى من أنواع الشجر والثمار. وحضائر كثيرة هنا وهناك تعج بالأرانب وخلايا النحل وبمختلف أنواع الحيوانات، وبأصناف الحمام البلدي والأجنبي. وهناك بعيداً نرى بركة سباحة للنساء مسيجة بإحكام بسعف النخيل لكي تتجانس محتويات الواحة مع بعضها إلى حد كبير بالمنتجات الطبيعية المحلية، وبركة للرجال واسعة بيضاوية زخرفت جوانبها بسيراميك ذات مثلثات وخطوط ملونة جميلة، وماؤها رقراق صاف مبهج يظنه الناظر ماء عذباً مغرياً بالشرب، وما أن يتذوقه يجده ماء أجاجاً، وبركة أسماك متباينة الألوان، ومرتفعات صخرية صغيرة مصنعة محلياً ينزل من بين صخورها ماء مندفعاً إلى الأسفل كشلالات طبيعية.. وقد سيجت هذه الواحة - التي تخلب الألباب - بشجر العوسج فأضفى على جمالها وروعتها جمالاً أخاذاً يدعو للانبهار والانشراح لو لم تشب سماءها الغربان والطيور الجوارح وغيرها التي تحوم جيئة ورواحا تدعو للانزعاج وعدم الاطمئنان، وهي تبحث عن فرائس لتنقض عليها، وعواء الثعالب الجياع تتربص بالحضائر الفرص لتسرق منها ما أمكنها سرقته من دجاج وحمام وما شابه ذلك.

وحين جاء الغسق وأرخى الليل سدوله، برز القمر فأرسل ضياءه وبدد ظلمة السماء متحدياً العتمة والدياجير، فجعل ليلته مقمرة وسهرته زاهرة عاطرة لا يعكننها نكرة، اللهم إلا تلك الثعالب والطيور الجوارح، فخطرت في ذهنه خاطرة لم تكن في البال فتخيل بأن هذه الواحة وما احتوته من مروج وغابات خضراء بديعة هي (جنة عدن) التي يقال عنها وفيما كان واصف يتأمل ويتخيل عظمة هذه الواحة التي حباها الله بهذه الروائع السامقة دون غيرها من الواحات المجاورة، إذا بشاب يدنو منه فيجلس بجانبه على الكرسي الشاغر، فارع الطول قليلاً، أملج البشرة تميل إلى البياض معتدل القوام، يرتدي ثوباً ناصع البياض، وعقالاً وغترة بيضاء ذو شارب أسود فاحم، يعبق منه أريج غالي الثمن كما يبدو، فبادر واصف قائلاً..فيما أنت سارح يا أستاذ؟..

واصف مقاطعاً الشاب: أبداً لا شيء. فقط كنت أتأمل في هذه الإبداعات وهذه الروائع الطبيعية في هذه الأرض الخصبة الطيبة، ثم أضاف، ولكن ما ينغص سعادتنا هو وجود هذه الطيور الضاربة المطبقة على سماء واحتنا والثعالب الشرسة الخبيثة المستوطنة هنا، عجبي لماذا هذه الطيور والثعالب العدوانية تتواجد وتصر على تواجدها هنا بالذات؟ الإجابة في غاية البساطة، حيث يتواجد هنا كل ما لذ وطاب من نفائس الحياة والثروات الهائلة التي حبا الله بها هذه الأرض أضعاف ما في الواحات الأخرى، فيسيل لها لعاب هذه الطيور وغيرها، ثم أضاف الشاب قوله، على كل حال، أود لو تسمح أن أتعرف على اسمك لنتعارف وربما سنكون أصدقاء مستقبلاً إن لم يكن لديك مانع؟

- بكل سرور. أنا اسمي واصف العطار.

- وأنا اسمي همام الحمدان.

قالها همام باغتباط واضح على محياه.

- أهلا بك، لكن قل لي يا أخ همام، ما رأيك في هذه الواحة؟

قال واصف ذلك وصمت مترقباً الإجابة بفارغ الصبر.

- من أية ناحية؟

إجابة واصف من حيث شكلها وتناسقها ومساحتها… الخ. إجابة همام:

بالتأكيد كما قلت لك قبل قليل بأنها واحة خلابة بكل المقاييس يندر مثلها في الواحات الأخرى المجاورة، وربما حتى في الواحات البعيدة عنا..

ثم واصل الاثنان حديثهما المتشعب من هنا وهناك، مما وطد العلاقة والثقة بينهما وتبادل المودة والاحترام. وضمن ما تطرقا إليه الثقافة المعاصرة ومنعطفاتها وموروثاتها الإيجابية منها والسلبية، ومتاهاتها، ووهجها الإيجابي في كثير من الأحيان، وتعثرات بعض الأقلام وإيجابيات بعضها، وهرولة البعض الآخر وراء المغريات على حساب الاهتمام بقضايا مجتمعاتها، وسقطات البعض الآخر - والحديث ذو شؤون وشجون - توقف واصف فجأة عن الحديث وكأنه يسترجع من مخزون الذاكرة أمراً ذا بال، ثم قال متسائلاً، هل قرأت ثلاثية حسام الأفندي؟ صمت همام برهة، أية ثلاثية هذه؟ ثم استدرك، آه تذكرت نعم سمعت عنها ولكنني لم أحصل عليها فهل تتكرم بإعارتي إياها إن وجدت لديك؟ أو أعطني فكرة وتلخيصاً مختصراً عنها وخلاصة رأيك فيها إن كان ذلك ممكناً؟ لا بأس أن أخبرك بانطباعي الشخصي عنها ومؤلفها من خلالها ولكنه ليس ملخصاً نظراً لأنها رواية طويلة ومتشعبة الطرح والحوارات، قال واصف ذلك وكان يتمنى لو أن ذاكرته تسعفه في تلخيصها تلخيصاً وافياً، واعتدل في جلسته وأمسك بنظارته الطبية وصار يمسحها بذيل غترته مما علق بها من رطوبة وغبار ثم استرسل قائلاً بصراحة إن مؤلفها حسام الأفندي قد اختار الرقم الصعب في روايته هذه من حيث حساسيتها الشديدة بالنسبة للمكان والزمان، ومن حيث مضمونها وتأطيرها إذ تتسم بتميز وجرأة نادرة، فقد وضع النقط فوق الحروف بشكل غير مسبوق، فهو تارة يخاطب بلسان بطل روايته شريحة معينة من مجتمعه بأسلوب المحاسبة الصارمة والقاسية والتي صنفها بموتى الضمائر والإحساس على ما بذر منها من عدوانية شريرة، وتارة أخرى يخاطب شريحة من مجتمعه مختلفة تماماً عن تلك فوصفها بالجبن والتخاذل والافتراء، وفئة أخرى افترت من أجل الإضرار بالآخرين ضرراً موجعاً ليس إلا، وتارة في موقع آخر كان يحاسب الذات محاسبة شديدة، على لسان بطل روايته - هشام الخاطر - بكشفه فاتورة هفواته علناً ودون تردد وهو - أي هشام - يعلم بأنه لن يجد من يسامحه في مجتمعه المتشدد على هذه المراهقة الطائشة، حتى وإن تشبث بمبررات (قلة النضج وحكم السن) الخ، ذلك لأنه لامس أموراً شديدة الحساسية كشرب الخمرة وممارسة الجنس والعشق العبثي (بسبق الإصرار والترصد) عدا نخبة معينة حيث رؤاها في مثل هذه الأمور كالمصارحة ومحاسبة الذات هما أمران مطلوبان لأنهما قد يؤديان إلى التراجع عن تكرار الهفوات، وحسب تصوري أيضاً بأن المؤلف حسام الأفندي بوضعه النقط على الحروف بهذه الصراحة والشجاعة الأدبية النادرة، وبتسليط الضوء عن كثب على هفوات أبرز شخوص روايته هشام الخاطر، إنما يعني بمثابة إعلان صك توبة، على طريقة المثل القائل (إياك اعني واسمعي يا جارة)، في نفس الوقت فإن محاسبة الذات بهذه الصورة العلنية هي شجاعة لا تخطر على البال، ناهيك عن حساسية الطرح الفريد من نوعه، كما إنها كذلك إنجاز إبداعي رائع لاشك في ذلك. فتمتم همام بكلمات غير مفهومة، كأنه يقول: (إن هذا الكلام ليس انطباعاً عابراً بقدر ما هو تقييم للرواية)، فسأله واصف:

- ماذا قلت؟ رد همام؟

- أبداً كنت أقول أنها رواية شيقة. ثم أردف:

- نعم واصل حديثك الممتع، فإنني كلي آذان صاغية.

استرسل واصف في حديثه لاسيما وأنه وجد همامًا يشجعه على تواصل الحديث، فقال:

- وفي تصوري أيضاً أن كاتب هذه الثلاثية - الرابية - وشمس الليل - ودهاليز إنما تدل على ما يتمتع به المؤلف من عمق معرفي غزير واسع كما ويتقد بعداً فكرياً، ويبدو لي أنه منذ باكورة نتاجه لم يأسره قمقم التقليد في الطرح في كتاباته عموماً مما جعل روايته مميزة لدى عامة الناس الذين قرؤوها، نظراً لبساطة مفرداتها في المماحكة والحوارات بين شخوصها، ولأن مضمونها قد خصب الذاكرة والمشاعر المشحونة حساً وطنياً، وحركت فيهم فضولاً منطقياً، ومن جهة أخرى جعل من بعض عناصر الرواية دور (الكومبارس) والبعض الآخر جعل منهم بياذق شطرنج تعامل معها بمزاجية متحيزة ولكن بذكاء لماح، فلعب لعبة الماهر الحاذق وحركها (بالروموت كنترول)، فكش من كش، وأزاح من أزاح، وهمش ما أراد له التهميش بمبررات قد يبدو بعضها منطقيًا، ثم جعل من الفئة التي تعاطف معها بعض الشيء هي الغالبة، المتميزة بذي اللونين الأخضر والبنفسجي، وهزم ذا اللون الأصفر، حيث تساقطت في مهب الريح كأوراق الخريف، ثم تابع واصف قائلاً، على كل حال فمعظم جوانب الثلاثية مضيئة بكل المقاييس، بيد أنها لا تخلو من نقاط رمادية حين سمى بعض بياذقه بأسماء قد أخلت قليلاً بإبداعيتها وأدبياتها، وموضوعيتها، مثل - يشبه كذا وكذا - وغير ذلك من كلمات شاذة عن الموضوعية، ولا أدري ما إذا كان القصد منها (الهمز واللمز) أم قصد بذلك وضع مسحة من الدعابة (وخفة الدم) للتخفيف على القارئ من حدة جديتها وعنصر من عناصر المقبلات؟ أو كملح في الطعام. أم هي إحدى النوبات النرجسية التي تنتاب بعض الأشخاص في بعض الحالات؟ ولاسيما الجزء الأخير منها (دهاليز) فقد غيب في حبكها عنصر الجنس الآخر، وهو عنصر مهم جداً في الروايات التي في هذا المستوى - حسب تصوري - فإغفال ذلك يعتبر كبتر عضو فاعل ومهم من جسم الإنسان، والمؤلف حسام لاشك أنه قدير كل المقدرة على تواجد المرأة فيها بطريقة أو بأخرى، وأغفل كذلك تلمس خلفيات شخوص الرواية في الجزء الأخير، ولو بذكر ملامح عن تبايناتها الاجتماعية من سلب وإيجاب، وإنما ذكر بتكرار عيوب جسدية دون أن تتطلبها ضرورة الحبك الفني والموضوعي، بل حشر ذلك حشراً متعمداً، ومن هنا مكمن الخلل الإبداعي. وما وجه الخطأ حين يوظف الروائي مكونات روايته وأدواتها كما يحلو له كي تكون نسيجاً فنياً منسجماً وأبعاداً متكاملة ومتناغمة مضيفاً إليها خلطة من بهارات المؤلف الرومانسية؟ قال همام ذلك بطريقة ليست عفوية وإنما تنم عن اقتدار في المنطق والحوار، قال واصف وهو يتفحص قسمات وجه همام إن كان منفعلاً أم هي طريقته الخاصة في الحوار:

- كلا لم أقصد تماماً ما ذهبت إليه يا أستاذ، وأظن أنك لم يفتك عبر حديثي عن الرواية بأني من المعجبين بها بل وأعتبرها نقلة نوعية في الرواية المحلية من حيث المضمون والأطر والشجاعة الأدبية، وتميزها بسلاسة الأسلوب وحلاوة إيقاعاته في الأذن والذاكرة، ثم مواصلاً، نعم كل ما ذكرته هو صحيح ولكن لا يعطي للمؤلف الحق أن يصف ويصنف بعض أبطال الرواية بأوصاف حيوانية وعيوب جسمانية بطريقة غير موضوعية، وكذلك عدم حبكه لتواجد المرأة في الجزء الثالث - دهاليز - كما وركز المؤلف حسام الأفندي على دور هشام الخاطر عما عاناه من هواجس وأذى، ثم انطباعه عن ما حوله في تلك الأجواء الرهيبة من الأشخاص، منذ خروجه من منزله مرغماً حتى عودته إلى منزله دون أن يتوسع في هذا الجزء من الرواية - دهاليز - إذ وظفه فقط لشخصه في معاناته، وكل هذه الأمور قد كونت خللاً لاسيما في الجزء الأخير من الرواية، حسب اعتقادي، وأنا لست هنا قاصاً ولا ناقداً، ولم احظ بذلك للأسف وإنما أنا أحد القراء المتذوقين ومن محبي القراءة والمعرفة، واستجابة لطلبك في إعطائك فكرة عنها حسب قراءتي بين سطورها ليس إلا...

القطيف.
370314