تلاشي البريق
عبدالله محمد حسين - 24 / 2 / 2011م - 4:00 ص - العدد (18)

في مدخل أحد المحلات التجارية بشارع أكسفورد هتف علي من غريب المفاجأة:

- رائع!

ثم تناثرت كلمة رائع وسط فيض من الكلمات. كان يفضي بها لنفسه وهو متسمر أمام الفيتيرنة:

- رائع… سواء كان من فعل محافظة الإنجليز العتيدة، أو من دورة الموضة المتجددة.

مازال علي في قبضة المفاجأة، التي سولت له أن يمد يده المتلهفة ليأخذ الرائع، فردها زجاج الفيتيرنة بفضاضة الإنجليز بعيداً عن فردة حذاء أسود، لكن الزجاج البارد لم يمنع جلد الحذاء المصقول من أن يتدفق بريقاً أسود أيقظ بريقاً مشابهاً كان يغفو في ذاكرته، لمع قبل ما يزيد على ثلاثين عاماً بين يدي الإسكافي اليماني، وهو يقلب فردة حذاء علي الجديد ليثبت بأطرافها قطعاً معدنية لكي تحميها من التآكل، كانت الشمس تلملم أشعتها الخريفية الواهنة، التي تكسرت على جلد الحذاء فتشرب سواده اللامع بحمرة خمرية انسكبت بين يدي الإسكافي ضياء:

تراقصت على وجه علي ابتسامة من ظفر بشيء مفقود. راح يتهجى ملامح الحذاء، ويؤكد لنفسه بصوت مسموع:

- إنه هو.. حتى الوشم الذي يزخرف الجلد هو ذاته ! !

اقتحم المحل، فقد عقد العزم ألاَّ يخرج إلاَّ وقدماه ترفلان بأناقة هذا الحذاء وتنعمان بدفئه مهما ضاعف تعاقب السنين من قيمته مراراً. مضى ما يربو على ثلاثين سنة منذ أعطاه والده أربعين ريالاً ليشتري حذاء، لقد منّ اللَّه على والده ذلك العام بدخل وافر من مزرعته، غطى مصاريفه الكثيرة وسدد دينه، وفاض، وذلك بفضل برنامج التحسين الزراعي الذي تبنته (أرامكو) لتطوير زراعة المنطقة، حيث جلبت المخصبات الكيميائية والمبيدات الحشرية وأصنافاً جديدة من البذور، لتوفير ما يلزم استهلاكها من الخضار. كان علي يومها يدرس في السنة الرابعة الابتدائية، وقد انضم إلى فرقة الكشافة، مما استدعى شراء حذاء جديد، بدلاً من ذاك الذي اشتراه والده من سوق الخميس بستة ريالات. أربعون ريالاً مبلغ كبير غمر قلب علي بفرح حمله على اتخاذ قرار بأن يشتري حذاءً جلدياً يكون حتماً أجمل حذاء في المدرسة. أرَّقَ الفرح ليله، الذي بدد ساعاته في استعراض الأحذية الأنيقة والجميلة في القرية. أو ما اصطفت أمامه كطابور الصباح أحذية موظفي أرامكو، وهم ينتظرون حافلات الشركة مساء الجمعة عند دروازة القرية، استولى على اهتمامه حذاء منصور ابن العمدة أول من ابتعث إلى أمريكا، وعاد متفرداً بأناقة متميزة. بعد أن تحركت الحافلات تحدر طابور أحذية المدرسين. أسفرت تلك الاستعراضات إلى اختزال أحذية ذاك الزمان في صنفين: أحذية مدببة لها مناقير كمناقير الوز، تحدث صريراً أثناء المشي، مثل حذاء الأستاذ أحمد، حيث تبث خطواته الواثقة السريعة المختومة بضربة حادة ومقتضبة من العقب الحديدي على وجه البلاط المعفر بحبات الرمل التي لفظتها أقدام التلاميذ في الممر الطويل، وهم يمضون إلى صفوفهم المنتظمة يميناً ويساراً. طرب علي لتلك المعزوفة التي يبثها حذاء الأستاذ أحمد في الممر كل صباح. وكاد يقع اختياره عليه، لكنه تراجع وتلاشت تلك المعزوفة عندما تنبه إلى أن تلك المقدمة الطويلة ستضفي طولاً على قدمه الناحل، الذي ورث هيئته من قدم والده، فسارع بالعدول إلى حذاء منصور ذي المقدمة الغليظة الشديدة اللمعان، على الرغم من أن هذا الحذاء يذكره بحذاء خاله الذي يعمل صباغاً في مصفاة رأس تنورة. وكان علي يتقزز من رؤية ذاك الحذاء مزكرشاً ببقع الأصباغ، ولا يختلف أيضاً عن حذاء المرشد الزراعي الضخم، الذي يحفر أخاديد عميقة بين الأشجار، وكم نبتة خانها الحظ فوقعت في مساره يستشيط أبو علي غضباً لمصاب نبتته، فالتجوال بالأحذية بين الزرع يذهب البركة ويقطع الرزق، هذه حقيقة تؤمن بها القرية، ضحك منها المرشد سامي، وقرر أن يجتثها -كما اجتثت كثير من المفاهيم والطرق الزراعية البدائية- عند أبي علي، أحضر حذاء جديداً وقدمه مازحاً.

- أبو علي هيدا هدية حذاء سيفتي يحميك ولن يقطع الرزق.

استعار أبو علي من الحذاء خيوطه القوية ليشد بها سرج حماره المتداعي، وترك الحذاء لعبة لأطفاله.

سوق البحرين بالدمام كانت وجهة علي في اليوم التالي، عبر سوق "اعيال ناصر" ليدخل سوق البحرين من الجنوب، يعرف فيها بائعاً طيباً، رجلاً وقوراً، لن يتردد عن إسداء النصح له ولو كان على حساب مصلحته. نفحت علي رائحة الجلد المدبوغ من أحذية على شاكلة حذاء الأستاذ أحمد تنتظم صفوفاً وراء صفوف، اكتفى باختلاس النظر إليها عن بعد، تجنب استثارة شهية الباعة، الذين لم يلتفتوا إليه وهو يمر بينهم، استعرض معظمها بنظرات مواربة وأخرى خاطفة، اختلسها وهو متجه شمالاً في السوق، أحذية سوداء وبنية وحتى بيضاء وبرتقالية، بعضها بخيوط وأخرى دونها، بعضها بمقدمات عريضة مرتفعة، وأغلبها مثل حذاء الأستاذ أحمد المدبب. بلغ دكان بائعه الطيب الذي استقبله بابتسامة:

تفضل… كيف الحال؟

رد علي، وعيناه تفتشان في المعروض عن ضالته، حذاء بمقدمة مدببة ويعزف ذلك اللحن الذي يملأ جنبات الممر في المدرسة، أفسح له البائع ليقلِّب بعينيه وبيديه ما يشاء، مرر أصابعه على جلد الأحذية الناعم الرقيق، والخشن القوي، نظر إلى أسفلها، لم ير أعقاباً حديدية. تدخل البائع:

- هذا إيطالي، يوجد أيضاً أسباني… الأسعار متقاربة.

- بلا عقب حديدي؟

- ذاك يضعه الإسكافي بريال.

أعاده في مكانه، امتدت يده إلى حذاء يشبه حذاء منصور ابن العمدة، ثقيل، بقاعدة من المطاط الأسود، مقدمة عريضة محدبة تزخرفها منظومة من الوشم، غرزة كبيرة وعميقة، تحيط بها هالة من الغرزات المتناهية الصغر تتكرر باتساق لتشكل مجرة من النجوم الخابية، يحيط بها نتوء في هيئة حزام تزخرفه ثقوب عميقة.

شجعه البائع:

- هذا إنجليزي… قوي…. لا يتأثر حتى لو تعرض للمطر.

قلّب علي الحذاء حائراً، أدرك البائع تردده:

- نصيحة.. خذ مقام أكبر بقليل سيخدمك على الأقل ثلاث سنوات.

مد علي يده إلى الحذاء الإيطالي. فاستحثه البائع:

- سأنزّل لك خمسة ريالات في الإنجليزي ليصبح بقيمة الإيطالي.

أعاد البائع من الأربعين خمسة ريالات، ودس مع الحذاء شراباً أسود بنقط رمادية هامساً:

- وهذا هدية من المحل… ألف مبروك.

توقف علي عند الإسكافي المفترش رصيف حديقة البلدية، الذي تناول الحذاء بكفين ينضحان بالأبوية، أدخل رأس السندان في جوف الحذاء بخشونة، وقذف في فمه حفنة من المسامير الصغيرة صارت تبرق بين أسنانه البنية كلما التقط واحداً ليغرسه بسرعة طرقتين متتاليتين يختمها بثالثة أشد عنفاً دون رأفة بجلد الحذاء، أحس علي أن تلك المسامير تغرس في قدميه، كانت الشمس تهم بالغروب، نقد علي الإسكافي ريالاً وركض نحو حافلة (خط البلدة) الواقفة عند سور الحديقة، وسائقها أبو عزيز، الذي يذكر لقبه بالمغنى العراقي، واقف عند بابها بوجهه الباسم دائماً، وقد لف غترته حول رأسه تاركاً طرفاً يلوح به منادياً:

- مشينا.. حياكم اللَّه.. نص ريال إلى القطيف.

استقبلت المقاعدُ الأجسادَ التي أرهقها كد النهار، أما تلك التي لم تلق مقعداً شاغراً فقد تحاملت الوقوف مستندة إلى ظهور المقاعد، دس علي جسمه الناحل بين الأجساد المتزاحمة. وقف، يد تحتضن علبة الحذاء، وأخرى تتشبث بمسند المقعد. الحافلة امتلأت وأبو عزيز يطمع في المزيد، تراصت تلك الأجساد عندما انعطفت الحافلة يساراً، تمنى علي لو يستطيع رفع الحذاء إلى قرب أنفسه ليصد برائحة جلده نتن الأجساد التي عرّقها الكدح، وطأت قدم خشنة رجله فحمد اللَّه أن حذاءه قد نجا من تلك الخشونة، إنه ما يزال في علبته محتفظاً ببريقه. مرت الحافلة بسيهات، نزل كثير من الركاب وصعد القليل، عند عنك هبط علي مسرعاً قبل أن تواصل الحافلة طريقها إلى القطيف، كان ذلك قبل شق الطريق المحيط بين حقول النخل وبساتين الليمون، حلّق علي بفرح غامر تستحثه رعشة وجَلٍ خفيف تثيرها غلالة ظلام رقيقة تزحف من الشرق وتطمئنه حمرة شمس غاربة تخضب أطراف السماء خلف نخيل الجش قريته الواقعة غرباً، خطواته السريعة لم تمنعه أن يتخيل نفسه غداً وهو يسمو فوق ثرى المدرسة بحذائه الأنيق، خجل كعادته كلما ارتدى جديداً، غداً ستنعم أصابع قدميه العشرة بدفء يسري إلى جميع أطراف جسده.

لن يتباهى به بين زملائه وقد لا ينتبهون إليه، القليل من ينظر إلى الأقدام، والكثير لا يهتم بلبس الحذاء.

بلغ البيت، دخله قفزاً، استقبله أخوه الصغير:

أرني ماذا اشتريت؟

تجاوزه إلى صدر أمه الواقفة في الفناء تنتظره خفّت إليه تحملها فرحتان، فرحة بعودته من المدينة سالماً، وفرحة بحذائه الجميل، عانقته:

أرني.. ماذا اشتريت؟

فتح العلبة الكبيرة، كانت فردة حذاء واحدة فقط، تغفو داخلها، وقد تلاشى بريقها، إلى جانبها يسترخي الشراب هدية بائع الأحذية الطيب.

عاودت الأم ضم علي إلى صدرها صامتة.

370314