معركة الأمن
التحرير - 14 / 10 / 2007م - 8:07 م - العدد (3)

ليس هناك من مناسبة نستهل بها العدد الجديد من الواحة، وإن كان الأمل يحدونا لأن نقدّم للقارىء الكريم ما ينقله الى واحة جديدة من الآمال والتطلعات التي تبعث روحاً جديدة في الوسط الاجتماعي العام، روحاً مليئة بالحيوية والوعي الفعّال لما فيه الصالح العام، وهذا مطمح مازال يختلج في صدورنا، وينشّط طاقتنا، من أجل إشاعة أنفاس إيجابية بناءة.. إلا أننا فوجئنا في الشهر الماضي (نوفمبر 1995 ) بحادث التفجيرات في عاصمة المملكة ـ حماها الله وحمى أهلها من عبث العابثين، وطيش الجاهلين ـ  مما أثار استياءنا، واستوقفنا في آن، ناظرين إليه ملياً بالامتعاض والتدبّر.

وقد أجاد الأستاذ خالد التويجري في مقالته الرائعة في الزميلة (الشرق الأوسط) في التعبير بلسان جماعي عن استيائنا واستنكارنا للحادث، فكان عنوان مقالته: (أملاً بأن لا يكون منّا عديم الوفاء وجاحد النعمة) تعبيراً صادقاً عن مشاعر مواطني هذا البلد حيال الحادث الطارىء. ورغم أن الأنظار في معظمها اتجهت بعيداً باحثة عمّن يكون وراء العنف.. إلا أن قلقاً حقيقياً ساور أكثر من جهة، من أن تأتي التحقيقات مفاجئة، فيظهر من بين الأنقاض شخص غير متوقع يرفع شارات النصر على أكوام الرماد والجثث والدماء.

وعلى رغم وجود فئات تشفّت بمقتل بضعة أشخاص من (الغرباء) حيث لم تكن راغبة في وجودهم على أرض المملكة.. إلا أن التيار العام راعه العنف غير المتوقع، خاصة وأنه تستعرض أمام الجمهور تجارب حيّة تروى تفاصيلها على الشاشة الصغيرة يومياً، في أفغانستان، والجزائر، ومصر، وغيرها.

في رأي المتدبر، فإن حجم التفجير والعنف، أكبر بكثير من حجم المشكلة المفترضة ذهنياً. فلاتزال بلادنا ـ ولله الحمد ـ بخير قياساً لما نراه في بلدان اخرى قريبة وبعيدة. وكان يمكن للمشاكل أن تجد بعض القنوات ـ وإن كانت جانبية ـ للنقاش والبحث، أما تفجيرها بهذا التحدي الصارخ، فمخيف حقاً. والعنف لا يقف عند حد، وقابل ان يتحول في أكثر من اتجاه بسرعة وبسهولة أيضاً، ليحصد الكثير من الضحايا.

فمن يستسهل العملية ولا يدين مبدأ العنف، قد يكون ضحيته في قادم الأيام.

نقول هذا وفي أذهان كل منا تحديد مختلف لهوية الفاعلين، بناءً على معطيات ومتبنيات معينة، ولكننا نأمل أيضاً، كما جاء: (أن لا يكون منا عديم الوفاء وجاحد النعمة).

نعم نحن نختلف ولكن الى حد.. الى أن نصل الى خطوط حمراء لا يمكن أن نتعداها.

وما حدث لم يبق شيئاً محرماً، وقد أثار قدراً غير قليل من الرعب من انتشار هذا التوجه، الذي نأمل أن يموت في مهده وساعته، والا يجد سبيلاً يثير النزوع الى حل المشاكل بهذه الطريقة. والأمل، أن نستفيد مما جرى، فقد ثبت أن المواطنين يرفضون العنف بلا مبرر، كما يرفضونه كوسيلة لحلّ المشاكل.. وحتى اولئك الذين ارتاحوا لمقتل بعض الخواجات، يخشون ـ كغيرهم ـ أن تنقلب اللعبة على الجميع ويدفع المواطنون جميعاً ثمن ذلك من أمنهم واستقرارهم.

ولنا وطيد الاملٌ أيضاً، ضمن هذا السياق، أن تتم السيطرة على الأعصاب ريثما تكشف التحقيقات عن المجرم الحقيقي، لأن التخبط واضطراب حبل الامن  يؤديان الى خلق كثير من الإثارة، ولربما كان هذا ما يريده من قام بالتفجير، أو أحد أهدافه، ان ينتقم المجتمع من ذاته.

لقد كان الأمن ولايزال أكبر جائزة قدّمت لشعب المملكة، منذ أن قيّض الله لهذه البلاد من وحدها، وضرب رؤساء الشغب، من البوادي والحواضر. فأصبح الأمن ضارب الأطناب، لم تعرفه جزيرة العرب في ماضيها القريب والبعيد. هذا الأمن، وهذه الوحدة، متلازمان. ومن يسعى لزعزعة الأمن إنما يدعو الى تمزيق البلاد وإعادتها الى ما كانت عليه من تشرذم وتناحر وحروب طاحنة لم تنته إلا بشق الأنفس.

اليوم وبعد أن ذاق المواطنون طعم الأمن وغير قليل من الرخاء، تقلبوا فيه طولاً وعرضاً، جاءتهم حادثة التفجير لتنبههم الى شيء سلبي كانوا قد قرأوا عنه في تاريخهم قبل عهد الوحدة والأمن ومن ثم الرخاء، وهذا العنصر من الوجل والرهبة راود الكثيرين حين أعلنت أجهزة الأعلام خبر التفجير، ولكن الأجهزة إياها لم توفّق كثيراً في التعبير عما في دخائل النفوس.

إن حادث التفجيرات، يؤكد لنا من جديد أهمية تربية النشء على قيمة الأمن وقيمة الإستقرار وقيمة الوحدة.. كما يؤكد صحة المسار الأمني الشمولي الذي يقول  بامتصاص مبررات العنف، وبالتالي تفويت الفرصة على أولئك الساعين الى تغذيته عبر الإستفادة من ممارسات خاطئة. لكن تجذير الوعي الوطني وتعميمه، من خلال التركيز على موضوع (التربية الوطنية) في الإعلام والمناهج التعليمية كفيل، بمحاصرة العنف وأدواته.

في ظل الظروف غير الطبيعية، نتعلّق جميعاً بما يجمعنا.. لقد ذكرنا التفجير بحادثة الغزو العراقي للكويت، حيث أعطى الغزو روحاً جديدة بقدر ما أثار من مخاوف، ويمكن لنا أن نستثمر ما جرى باتجاه تعزيز الإنتماء الوطني أكثر فأكثر.


 

358523