الخلاف المذهبي..محاولة للفهم
التحرير - 27 / 2 / 2011م - 6:04 ص - العدد (19)

يمكن القول بادئ ذي بدء بأن الخلاف المذهبي داخل المجتمع الإسلامي يمثل أكثر الموضوعات تفجراً وحساسية على طول تاريخ المسلمين. فالانشقاقات المذهبية تعود جذورها التاريخية إلى الفترة المبكرة من تشكل الجماعة الإسلامية بالمفهوم الديني والسياسي.

يعتقد البعض بأن الدافع السياسي كان يلعب، في بعض الأحيان، دور المنشط لظهور وتبلور جماعات مذهبية تستحثها الاستحقاقات السياسية وتحفزها المواقف السياسية الاحتجاجية لتمييز نفسها عن باقي الجماعات الأخرى. غير أن هذا الدافع ما لبث أن اجتذب إليه مبررات دينية اندمجت وتضافرت مع دوافع أخرى لتشكل أيديولوجية مذهبية متكاملة تشمل رؤية دينية محددة وتصور نحو العالم، ومنهج تفكير مستقل، وتطلع نحو تطبيق المثل الدينية العليا كما تراها كل جماعة.

وكتب الملل والنحل والمذاهب والفرق (مع إلفات الانتباه إلى التوجهات المذهبية والخاصة لبعض مصنفيها) تمدنا بمعلومات على درجة كبيرة من الأهمية، من حيث ظروف نشأة كل فرقة، وقادتها، ومتبنياتها العقدية والمساحة الاجتماعية التي تمسرحت عليها. وفي حقيقة الأمر، فإن هذا التراث الفرقي بمقدار ما يعكس طبيعة وحجم الانشقاق داخل المجتمع الإسلامي، إلا أنه يرسم لنا حدود التسامح داخل هذا المجتمع بما يسمح لهذه الفرق في استعلان نفسها والتعبير عن تصوراتها ومواقفها بتحرر شبه تام. فالعشرات من الفرق ذات الأحجام المتباينة من حيث الانتشار الاجتماعي والتأثير الفكري والسياسي هي صورة الواقع الذي انفرزت منه. كما أن انخفاض عدد الفرق إلى ما يفوق قليلاً على أصابع اليد الواحدة ليس سوى صورة لواقع جديد لا يمثل بالضرورة ترقياً نحو واقع أفضل، بل أن هذا الانخفاض عائد في جزء هام منه إلى دور السلطة السياسية الذي ساهم في تعزيز بعض الفرق وتهميش واندثار بعض آخر. ولو قدر للفرق المهمشة والمندثرة البقاء لحظيت بنفس القوة الانتشارية والمشروعية التي تتمتع بها المذاهب الإسلامية اليوم.

* * * *

المسألة الأكثر إلحاحاً تدور حول إدراك أتباع كل مذهب إسلامي بحقيقة انتمائهم، بمعنى لماذا وجدوا أنفسهم أتباع لهذا المذهب وعلى الضد من ذاك المذهب، ولماذا انتشر هذا المذهب هنا ولم ينتشر هناك، وما هي العوامل الضالعة في تكوين هذا المذهب وأسباب ديمومته في مقابل مذاهب أخرى، وفوق ذلك وأصله لماذا الاختلاف المذهبي، وهل ثمة أساس ديني واجتماعي وسياسي لهذا الاختلاف، وهل هناك ثمة آلية محددة للتعامل مع هذا الاختلاف بحيث تنتزع عنه صفة الانشقاقية وتضعه في السياق الديني والإنساني العام.

هذه الأسئلة التي لا يتوقف دفقها تتطلب روح جديدة وعقلية مختلفة تنفتح على حركة التاريخ الإسلامي باعتباره حقلاً معرفياً يخضع للفحص والدراسة العلمية والبحث الموضوعي لجهة إعادة اكتشاف دور الإسلام في حياة المسلمين والكشف، بعد ذلك، عن جذور تشكل الفرق بالنظر إلى القوى والعوامل المؤثرة فيها: سواء كانت هذه العوامل دينية، قبلية، اقتصادية، سياسية، اجتماعية أو كلها مجتمعة.

* * * *

النزوع المذهبي في شكله الصارم والسائد حالياً قد يجد مبرره الاجتماعي في كونه أصبح تعبيراً عن هوية جماعة محددة ترى في هذا المذهب إطاراً تحقق بداخله ذاتها وتؤمن بواسطته مصالحها المادية والمعنوية. هذا التفسير السيسيولوجي قد يكون ممقوتاً لدى أصحاب هذا النزوع كونه يقدّم مسلوباً من لغته الدينية التي تحقق الاطمئنان النفسي، ولكن مجرد اختبار كل فرد لذاته كفيل بالتحقق من صدقية منزعه المذهبي. وبطبيعة الحال، فإن من الخطأ الفادح تعميم هذا التفسير على أصحاب هذا النزوع داخل كل مذهب أو على كل المذاهب.

إن ما نقصده على وجه التحديد هو تحويل الاعتناق المذهبي الى مادة تفكير دائمة تعين صاحبها على الاستيقان من الضخ المذهبي الكثيف الذي يتعرض له من الداخل والخارج باعتبار أن الاعتناق ليس تلبية لإملاءات اجتماعية وسياسية بل هي موقف ديني متصل بعقيدة الفرد وبالبعد الأخروي، وبالتالي فهو مسئول عن تقديم أدلة الدفاع عن معتنقه أمام الخالق وليس المخلوق.

* * * *

ملف الخلافات المذهبية داخل جماعة المسلمين ينطوي على مواقف هي ليست بالضرورة ناشئة عن اعتقاد ديني بل في أحيان كثيرة هي تلبية غير مباشرة لنزوعات بشرية تحتمل الخطأ والصواب. ففي تراث أعلام المذاهب الإسلامية ما يمكن وصفه بأنها مواقف وليدة لحظتها ولا تستند على أساس علمي أو تشخيص دقيق للموضوعات التي أصدروا بموجبها أحكاماً جاءت في بعض الأحيان كارثية على الأجيال التي أعقبتهم.

القراءة المذهبية للتاريخ الإسلامي تمثل في أحيان كثيرة انتكاسة للوعي الديني، لأنها رسمت صورة وهمية لحركة التاريخ وقدّمت تفسيراً مشوّهاً لحوادثه ورجالاته، فصنعت كل فرقة مذهبية لنفسها تاريخاً لم يقع، وقطعت الصلة بكل قراءة أخرى لا تنتمي إليها، وأصبح التاريخ الحقيقي مرفوضاً ومحارباً من كل هذه الفرق لأنه لا يستجيب للأدلجة المفروضة عليه.

* * * *

يقع علماء الدين ضحية لتوجهات غرسوها بأيديهم ثم حالت هذه التوجهات بفعل تجسدها وامتدادها الاجتماعي دون اقتلاع ما غرسوه بعد أن تبين لهم خطورة هذه التوجهات على استقرار الأمن والتلاحم الوطني وعلى أداء المجتمع والدولة معاً، بما يضع هؤلاء العلماء أمام خيارين: إما مصادمة القاعدة الاجتماعية التي تشكلت بوحي من توجيهاتهم، وبالتالي خوض معركة مع الذات والمقام، أو التزام الصمت وتحميل الدهر مسئولية تصحيح ما أفسدوه. نقول ذلك لأن إنتاج الخلاف المذهبي وتصديره كان غالباً ما يتم في بيوت العلماء ويجد طريقه أولاً إلى حلقات دروسهم وتالياً إلى المساجد ومن ثم الشوارع. وليس هناك ما يدعو للغرابة في أن كثيراً من هذه المنتجات المذهبية الملغومة تجد من ينذر نفسه لها ابتغاء وجه الله! ولو كلفه ذلك التضحية بالدم والمال محثوثاً بتلك التوجيهات المذهبية.

ولكل المتمثلين بسلف هذه الأمة نستعيد صورة مجالس الجدل الفكري الرفيع خلال القرون الأولى حيث مثّلت هذه المجالس التعبير الراقي للحوار الفكري المتحرر من عقدة السلطة الكهنوتية التي تصادر باسم السماء حق الآدميين في الأرض. نتعلم من هذه المجالس أن الرأي والرأي الآخر وجد مساحة كافية في التعبير عن نفسه دون إشهار سيف من الحاكم أو إشهار فتاوى تكفير من العالم. وبلا شك أن التصريحات التي جاءتنا من هذا السلف بأن "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" وأمثالها هي إفرازات لتلك البيئة الفكرية المتسامحة التي يجب أن نتعلم منها كيف ننظر إلى جزء مختلف من ذاتنا.

* * * *

ثمة فئة من المتنورين والمخلصين تنتمي إلى طيف واسع من المذاهب الإسلامية بدأت تنشأ وتتبلور خلال السنوات الأخيرة، ترجو أن تكون بديلاً مناسباً لطائفة المنغمسين في الخلاف المذهبي، وتحاول تقديم رؤية تقريبية تكنس من طريقها تراثاً من الخصومة والشقاق الذي أثبتت التجربة العملية والواقع التاريخي للمسلمين عقمه وخطورته. أفراد هذه الفئة هم غالباً من الضالعين في العلوم الدينية، مؤمنون بمبدأ الاختلاف والتعددية المذهبية، وراسخو القدم في ما يتبنونه من معتقدات كل حسب اجتهاداته ورؤاه المذهبية. ترفض هذه الفئة أن تقع أسيرة للموروث المذهبي غير المؤسس دينياً وعلمياً، وتأمل في تقديم رؤية جديدة منفتحة على الآخر الذي ترى فيه شريكاً كاملاً في المعتقد الإسلامي العام دون أن يفقد كل عضو فيها حقه في اعتناق ما يراه صحيحاً.

هذه الفئة مازالت قليلة العدد محدودة التأثير، ولكنها وحدها الكفيلة بإحياء روح التسامح والجدل الفكري الحر في فضاء ظل مغلقاً لقرون ومحتكراً من أناس وّظفوا علوم الدين لتعميم أفكار الانغلاق، والإقصاء، والتكفير، والتشويه. ونأمل جميعاً أن تجد هذه الفئة المتنورة فرصتها الكاملة كي تكون القاطرة التي تقود وتعيد الروح والنشاط إلى الفكر الإسلامي المستنير مجدداً.

358520