الشيخ حمد الجاسر
ودوره في خدمة التراث العربي
حبيب آل جميع - 27 / 2 / 2011م - 7:38 ص - العدد (19)

برعاية الدكتورة مها قنوت وزيرة الثقافة في سوريا، وبمناسبة اختيار الرياض عاصمة للثقافة العربية لعام 2000م، أقامت الملحقية الثقافية السعودية بدمشق، ندوة خاصة تكريماً لعلم بارز من أعلام الجزيرة العربية، وذلك في يوم الخميس 15/ رجب/ 1421هـ الموافق 12/ تشرين الأول/ 2000م في قاعة المحاضرات بمكتبة الأسد الوطنية، شارك فيها أساتذة وباحثون تحدثوا عن الشيخ حمد الجاسر ودوره في خدمة التراث العربي، حيث كانت له بصمات مشرقة في البحث والتحقيق العلمي الجاد خدمة للتراث العربي الإسلامي واستكمالاً لجهود السلف الذين أرسوا بمآثرهم ثقافة شامخة تحكي للأجيال عظمة الإسلام وجلال الفكر الذي فجّره في ربوع الجزيرة العربية ليشرق على العالم.

افتتح الندوة الملحق الثقافي السعودي في دمشق الشاعر خالد محمد الخنين، وتحدث عن أهمية الشيخ، وعلمه، وسيرته الأدبية بمدخل تعريفي منطقي للدخول في مجريات الندوة، ثم تحدث مدير الندوة الأستاذ الدكتور محمد الهدلق - عميد كلية الآداب بجامعة الملك سعود في الرياض، وفصل في سيرة المغفور له الذي نشأ في قرية فقيرة، وكان والده فقيراً، وحفظ القرآن، لينتظم في المساجد للدراسة على أيدي المشايخ، ثم التحق بالمعهد السعودي بمكة المكرمة ليتخرج منه متخصصاً بالقضاء الشرعي.. عمل بعدها بالتدريس، ولم يكن الشيخ بعيداً عن الصحافة فقد أنشأ صحيفة "اليمامة" وهي أول صحيفة تصدر في الرياض، إضافة لتأسيس أول مطبعة في نجد.. وأصدر من ثم مجلة "العرب" إضافة للعديد من المؤلفات المتعلقة بالجزيرة العربية التي نشر أغلبها ضمن سلسلة نصوص وأبحاث جغرافية وتاريخية عن جزيرة العرب... والغريب في طفولة الشيخ الجاسر أنه حفر له القبر أربع مرات، لأنه كان هزيل البنية حتى توفاه الله عن عمر بلغ الثلاث والتسعين سنة...

أما رحلات الشيخ الجاسر، فقد تحدث عنها رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق الأستاذ الدكتور شاكر فحام، الذي بين أن الشيخ الجاسر عمل دون كلال لخدمة العربية وإحياء تراثها، وأولى جغرافية العرب شطراً طيباً من عنايته حتى صار المرجع الأول فيها، فكان غزير النتاج حتى خلف ثروة نفيسة من التأليف. والبحوث.. تنقسم رحلات الشيخ إلى ثلاثة أنواع: منها زيارة المدن التي تحوي مكتباتها مخطوطات خارج بلاده، ورحلات داخل بلاده لمشاهدة بعض القرى والمدن والكتابة عنها في المعجم الجغرافي للسعودية، ورحلات للعلاج والترفيه.. ومجمل هذه الرحلات كان له مقالات فيها جميعها، يقول في رحلته إلى أوروبا، أن الغاية من الرحلة تنحصر في البحث عن المخطوطات العربية، وكان يهتز فرحاً عندما يتفحص المخطوطة ويستعد لدراستها، كان يدخل مكتبات العالم ليتفحص فهارس مخطوطاتها ويحظى بالمفيد منها، كدخوله الخزانة العامة في الرباط، وحديثه عن المخطوطات في مكتبة استنبول، ومكتبة ليدن، وجنيف، وبون... الخ، وانحصر همه الأكبر من خلال هذه الرحلات: بالبحث عن المخطوطات النادرة، ومن ثم مشاهدة الأماكن وتحديد مواقعها.. كان في أسلوبه يؤثر الأسلوب السهل بالعرض دون تهويل أو مبالغة.. حتى ترك تلك الثروة الهائلة بما يسمى أدب الرحلات ونال عيها جائزة الملك فيصل العالمية سنة 1996.

وكان الشيخ الجاسر "عاشقاً للتراث" الأمر الذي تحدث فيه الأستاذ الدكتور أحمد الضبيب، عضو مجلس الشورى في السعودية، مبيناً أن جهود الشيخ في تحقيق التراث وإحيائه وخدمته امتدا أكثر من سبعين عاماً، لم يكن فيها مقلداً لتاريخه، وإنما كان جامعاً للنصوص، محققاً، ناشراً، ناقداً، عمل أربعين سنة في مجلة العرب، وكتب مقالات بالتاريخ والجغرافية في "أم القرى"، وساعدته صحبته مع الشعراء والأدب إلى نظم أبيات.. وقام هو نفسه بجمع نصوص شعرية مختلفة لعدد من الشعراء مثل الدواوين، وكان هو السبق في هذا على مستوى الوطن العربي (كدواوين الصمة القشيري، ويزيد بن الطثرية.. الخ).. وأصدر سلسلة بالمجال التاريخي (كالبرق اليماني في الفتح العثماني)، واهتم بالنقد في مجال التراث، إذ تكونت لديه حاسة نقدية رد فيها على الداء الذي استشرى في نشر المخطوطات العربية دون تمعن وتمحيص، الأمر الذي يترك مجالاً للخطأ في تحقيقها، وبالشكل العام عرف الشيخ بالرحلة من خلال التراث وأبدع في ذلك..

وحاول الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد من الأردن استرجاع الذكريات مع الشيخ، علامة الأنساب والمواقع وزياراته للشيخ مع طبقة من علماء التراث الموسوعيين والمراسلات التي كانت تجري بينهما خدمة للعربية، وأهمها تلك الرسالة المفصلة التي بعثها الشيخ له عندما حقق كتاب الحادرة الذي نشر في مجلة العرب، وفيها استدراكات كثيرة تخدم اللغة، والبيان..

وانطلاقاً من أهمية "مجلة العرب" فقد استعرض الدكتور على عقله عرسان، رئيس اتحاد الكتاب العرب بدمشق مسيرتها التاريخية ومسيرة الجاسر، وبين أن الشيخ الجاسر مدرسة لمن يريد أن يتعلم دروس العمل العلمي الشاق، والمتابعة، وسمو المنزلة، والتواضع، وتكاد مجلة العرب، تلخص تاريخ الاهتمام المعاصر بالتراث والعلم. حيث تابع في مجلته قضايا هامة بدأت من ينبع عند صدور أول عدد من "العرب" عام 1966، وتطورت بعد ذلك، فاهتمت المجلة بالأنساب، والبلدان، والتصحيف، والرحلات، وكان الجاسر يتابع ذلك بكل دقة وأمانة، لا يخلو من أصالة الرأي، وسداد القول، وصدق التمييز بين الأمور، وكان كلما تقدم في السن ازداد خبرة وتجارب.. وكانت محطاته الحياتية النيرة بمواقفها، 1940، و 1966، و 1952 عندما بدأ جهده الصحفي تجسد حمد الجاسر تاريخ موسوعة وإنجازات..

حتى قال عنه أحدهم واستعارها د. علي لنقلها في أهمية هذا الشيخ (معروف أن الرمال تسفيها الرياح، فتزول معالمها، لكن آثار البطولة تبقى خالدة أبد الدهر) وهذا هو حمد الجاسر...

المؤرخ العربي اللبناني الدكتور نقولا زيادة، تحدث عن كتاب "المناسك وأماكن طرق الحج عند حمد الجاسر"، هذا الكتاب الذي يعود للقرن الثالث الهجري، والذي كان دليلاً للطرق المؤدية إلى مكة المكرمة، ذكر بعضها نثراً وشعراً، وأراجيز طويلة، وبعضها استعمل كأمثلة، وهذا الكتاب الذي ولد في قرن التفجر الفكري العربي لم يكن له مثيل في كتب الجغرافية، والفقه والحديث، وكان نقطة الانطلاق، ومن هنا جاء الشيخ الجاسر ووضع يده على هذا المؤلف الثمين وأمعن فيه تحقيقاً وتعريفاً، حيث بدأ فيه بمقدمة عرف فيها بالمؤلف، وشيوخه، وتلاميذه، وكتبه، واقترح الدكتور زيادة: أن تجمع مقالات الجاسر التي لم تجمع للآن مما كتبه وتقسم بحسب موضوعاتها، وتنشر نشراً دقيقاً على يد مجموعة من العلماء... ومن ثم أن تقوم لجنة من المهندسين والجغرافيين لتضع مخططاً تاريخياً جغرافياً للجزيرة العربية على أساس ما حققه الشيخ العلامة حمد الجاسر...

والمتتبع لما ذكرنا يدرك أهمية الجاسر في مجال التاريخ، ومن هنا خصص الأستاذ الدكتور عبد العزيز المانع الأستاذ بجامعة الملك سعود حديثه حول جهود الشيخ في هذا المجال، حيث بين أن خدمة التاريخ تركزت عند الشيخ بأنه نشر المصادر محققة تحقيقاً علمياً، ككتاب، المناسك، وأنه لخص الرحلات وحققها، حيث اطلع على مصادر المخطوطات فأدرك قيمتها التاريخية والاجتماعية عن الجزيرة العربية وبلاد الحرمين بصورة خاصة، ومن ثم أبحاثه التاريخية الكثيرة التي خلف العديد منها وبموضوعات متنوعة... كل هذا جاء من نظرة الشيخ العلامة من المسؤولية التي تقع على العلماء والباحثين في نشر التراث وهو أولهم..

وكان آخر المتحدثين الدكتور جورج جبور، الذي تحدث عن أبرز ما للعرب من سبق في الدفاع عن حقوق الإنسان، من خلال بعض المراسلات التي تمت بينه وبين الجاسر التي بدأت منذ 1996، وحتى أواخر 1997 حول حلف الفضول وسبق العرب فيه..

358516