رنة جرس
منصور آل سيف ونجيبة السيد علي - 27 / 2 / 2011م - 7:40 ص - العدد (19)

خفق قلبها العذري على رنة جرس الباب، انتفض قلم الحبر الجاف بين أناملها، صعد الدم إلى وجهها الفاتن ليزيده احمرار.. إنه هو.. وما من أحد يفتح الباب سواها فهي الوحيدة في الدار هذا اليوم.. نعم هو.. له رنة خفيفة مميزة، فيداه لا تكادان تلامسان زر الجرس.. وربما هو الجرس يستجيب إليه بنغمة خاصة أو هي أذناها تترجمان الرنة دوناً عن غيرها.. ومع خفة رنته إلا أنها دائماً تهزها بل ترفعها من مكانها لولا الحياء وترفع الفتاة الفطري في مجتمع محافظ.. حين يحالفها الحظ في فتح الباب لاستقباله.. تواجهه بابتسامة تعجز عن مواراتها.. قائلة تفضل.. وحين يلج يشيع التحية لكل أفراد الأسرة صغيراً وكبيراً.. وبخص خالته وهي أمها بقبلة يطبعها على جبهتها.. أما هي فيتحدث إليها كما يتحدث مع غيرها من أهل الدار، لم يعاملها معاملة خاصة، رغم أنها مسماة له.. أو محجوزة باسمه، فقد قالت القابلة التي أولدتها بعد عسر.. وهي تلقفها إلى يد خالتها مصفقة راجزة لسلامة مولودة كادت أن تختنق " ما أحلاها زوجة عباس " فهي زوجته عرفاً منذ أن فتحت عينيها إلى نور الدنيا!!

لطالما سمعتهم يرددون القول أمامها بأعين لا يفارقها الغمز:

- رجاء لعباس وعباس لرجاء.. ابنة خالته أولى به من غيره. في سنوات طفولتها المبكرة، لم تكن تعي مغزى ما يقال.. لكنها غالباً تستقبله بشيء من الاعتداد.. وتعتبره ميزة خاصة بها دوناً عن غيرها كما تتميز طفلة بلعبة لا حق للآخرين فيها ولا مطمع.. وكثيراً ما حاكت خيالاتها الطفولية البريئة للأمر صوراً ساذجة وأخرى مضحكة! وحين لسعت حرارة الأنوثة مشاعرها، بدأت تبدي لا مبالاة ظاهرية لكلامهم وفي بعض الأحيان تتصنع التمرد والثورة.. وكثيراً ما يجتاحها حياء يقابله الآخرون بالبسمات الماكرة.

وبينما نظرت إليه في جرأة طفلة، طفلة، استحالت تلك الجرأة العفوية إلى مجموعة من النظرات المختلسة في سنوات الصبا ممطرة بقرع قلبي غير متوازن.. قالوا إنه دليل الحب.. أو هكذا فهمت من المسلسلات التلفزيونية التي تدمنها..

أيعجبها حقاً..؟! يطرب قلبها مجرد ذكره.. تتمناه الكثيرات.. حين يدخل الدار تحلق حوله أفراد أسرتها صغاراً كباراً، هذا يطالبه بآخر نكته، وآخر يتحداه في لغز مستعص وثالث يستنجد به في حل مسألة رياضية شائكة.. حتى "حبيب" الذي لم يجاوز الثالثة من عمره يستنفر عضلاته الرقيقة ليقفز إليه مرحباً متسلقاً إلى عنقه، وإن جلس لازمه في حضنه يرمقه بنظرات حب طفولي صارخ.. تذكرته في إحدى زياراته.. كان حبيب يومها متسخاً بالبوظة التي انهمك يلحسها وبتمطقها في تلذذ.. أحست يومها بحرج شديد.. دلفت تسحب أخاها الذي لوى رأسه في عناد ملتصقاً أكثر بسحنة عباس ملوثاً إياه.. وحين أصرت على سحبه، فتح فمه معبراً عن رفضه بلفظة "ما" التي حملت معها فقاعة من بقايا لعابه اللزج.. حتى أثار ضحك الجميع واستدر عطفهم، قال عباس في تلطف وهو يمسح ما علق بوجهه من آثار البوظة..

- لا بأس.. لا بأس.. دعيه.

ربما شعر ذلك الطفل الصغير بفطرته الخصبة إنها تحسده لمقامه من عباس وقربه منه، بينما لا تجرؤ هي على مجرد مكاشفته بمكنون قلبها، هل تغبط عباساً على ما يكنه له الآخرون من حب وإلفة أم تغبط الآخرين من أفراد أسرتها حيث يجالسونه بحرية فتتدفق بهم الأحاديث حتى تلامس خاصة أحاسيسهم.. في لحظات تعتريها الغيرة منهم، تشعر بهم ينتزون مكانتها منه، وتتمنى لو استأثرت به دونهم خصوصاً وأنه لم يشعرها قط بخصوصيتها لديه، لكنها تعلل له وتترقب منه نظرة أو كلمة في يوم ما.. فلعله تأتي فرصة نادرة يخلو البيت إلا منه ومنها!

لكن الفرصة لا تأتي، هو دائماً محاط بأفراد أسرتها وهي دائماً مأسورة بمشاعرها وأحلامها الأنثوية.. وقد شارفت سنوات المرحلة الثانوية على النهاية.. بينما أكمل هو دراسته الجامعية وصار مشروعاً زواجياً جاهزاً، واللحظة التي تترجاها ما زالت مكبلة.. إلى متى..! وفي محاولة لإطلاقها.. استغلت نقاشاً جمعها والصديقات حيث كانت كل واحدة منهن تعري نواياها المستقبلية وتضعها في مشرحة القيل والقال.. حينها صرحت وهي تطالعهن كمن يرمي لهن بمفاجأة:

- أما أنا فلا أنوي الزواج من الأقارب..

وعللت نيتها بأسباب علمية وصحية.. كانت كمن ألقى حجراً ليجلي اهتزازات الماء من حوله..

هاهي رنته تقرع أذنيها وتتسلل إلى قلبها متناغمة مع مشاعرها، والبيت خال إلا منها، ربما هي الفرصة النادرة.. نهضت من مكانها.. عربدت تساؤلات حائرة في ذهنها.. هل بلغته رسالتها؟ كيف لا وأخته بينهن حين عرت نواياها.. هل جاء يناقشها الأمر.. ماذا تجيبه وهي لم تألف الحديث معه على انفراد؟ هل تجرؤ مصارحته بهواجسها التي دفعتها إلى ما قالته.. وماذا لو أسفر ذلك البرود الذي تأخذه عليه عن بركان هائج فأراد أن يقبلها رغماً عنها.. تسمرت حيث هي ازداد دفق الدماء إلى وجهها الفاتن.. قالت.. لا..لا.. أعوذ بالله.. لابد أن أرفض هذا الشيء.. سارعت في خطواتها نحو الباب مستترة بغلالة من قماش تحجب البدن وشيئاً من الشعر.. فتحته غير شاكة إنها ستراه.. سلم دون أن يرفع طرفه إليها كعادته دائماً. وقالت بصوت عكرت صفاءه أنفاس ملتهبة وخفقات قلب مضطرب:

- تفضل لكن الوالدة غير موجودة.

ردّ في تأدب واضح:

- شكراً.. سوف آت مرة أخرى.

لوى جدعه الممشوق متراجعاً، هوى فؤادها، لكنه استقام وتقدم بخطوة أخرى أفعمت قلبها في كلمة ترجوها.. التهبت مشاعر أنثوية ترقباً، أحست به في مثل وضعها إن لم يكن أكثر.. خصوصاً وقد مد يده إلى جيبه ليخرج ظرفاً ناصع البياض، مده إليها في ترفق وقد رمقها بنظرة لم تفطن معناها.. قال:

- تفضلي هذه بطاقة دعوة..

وانسحب سريعاً كالبرق.. بينما رنت وراءه بنظرة خاطفة، قلبت الظرف بين أناملها المرتعشة.. فتحته لا تدخر توقعاً لما فيه، أخرجت ورقة ملساء مزدانة بنقوش ملونة.. قرأتها، شدهتها العبارات، دعوة لحضور حفلة "خطوبة" عباس من معصومة.. اهتزت الورقة بين أناملها، همست في مرارة وهي تطبق أجفانها عن قطرات دمع..

- ألم تجد غير هذه.

370314