رائحة المسك
زهير الشيخ - 27 / 2 / 2011م - 7:41 ص - العدد (19)

تقاطع أول

واقف وسط مشهد بطيء ينفتح على فراغ سحيق تطفو فوقه كتل من الضباب الأبيض المختلط بسواد دبق. من خلال الفراغ يظهر ببط ء شديد شبح يجر حقيبتين ضخمتين نحو عربة متوقفة على الجانب. يميز الوجه بسرعة والملامح المغبرة بقتام أسود وغضون بارزة على الجبين وحبيبات العرق تلتمع في كامل الوجه المرهق من رحلة كأنها امتدت ستين عاما.

يعبر والده فلا يراه أو يحس بوجوده بخطوات تغور في كتل الضباب و لا يسمع إلا صوت لهاث منهوك. يقف والده أمام العربة المجاورة، يمسك بالحقيبة الأولى محاولا رفعها إلى العربة ببط ء ووهن شديد فيتوقف عند منتصف المسافة ويرجعها إلى القاع. يقف حائرا يراقب المشهد، يمد يده بسرعة ليعين والده المتعب فيصطدم بجدار زجاجي خفي يمنع تقدمه. يصرخ عاليا لكن صوته لا يخرج من حلقه ويضيع امتداد يده في الفراغ. يقف عند الحاجز عاجزا مستسلما ينظر والده يحمل الحقيبة على ظهره الذي يشكو منه كثيرا ثم يقذف بالحقيبة بسرعة وسط العربة ويسقط بعنف وعلى وجهه ترتسم بحدة تغضنات الألم الشديد.

مضى دهر كامل ووالده يحاول استجماع قوته ليقف ثانية ليحمل الحقيبة الأخرى، ينظر إليه يجرها متهالكا بينما يلف الضباب والده وتعتم الشاشة تدريجيا على الحلم الذي ظل يطارده سنة كاملة دون أن يجرؤ على إخبار أحد من أهله.

(أ)

للاماكن ذاكرتها التي تحفظ النقش طريا على خارطة التراب. الأبنية الغافية في دعة الدفء تذكر حركة الظل، الشوارع تهجس وقع أقدام السائرين والرائحة السابحة في ملكوت الفراغ تمسك بأسماء من يحملها. سوق البضائع المستعملة سجادة منقوشة بألف لون ورائحة معقودة بذكريات من مضى و مسكونة بهاجس من يجوس أزقته. حينما تفقد الأماكن شيئا فإنها تجهد لتعيد صياغة ذواتها لتعيد اكتمال المشهد الذي تتآلف فيه الأشياء في نسيج متناغم.

دلف إلى السوق ليرضي هاجسا ملحا ظل يراوده لثلاث سنوات بعد وفاة والده الذي كان لا يفارق هذا المكان في سنواته الأخيرة. يمشي في الأزقة الضيقة المبنية من الطين محاولا استعادة خطى والده، رائحته وظله الذي يعرف أزقة السوق كما يعرف خطوط كفه. تلتصق بالأرض أسراره المتراكمة من خيبات الخسارة وبهجة المال المكتسب. الأقدام العابرة، أشباح المارة ورائحة الطين الرطب تزحم حواسه إلى أن استرعى انتباهه بريق الدلال النحاسية في أحد الدكاكين. وقف يتأمل الدلال النحاسية المصفوفة بعناية وترتيب والتماع شمس الضحى يزيد المعدن الأصفر جمالا وفتنة. تذكر عشق والده لجلي الدلال وتذكر تبرمه من كثرة الدلال المصفوفة في البيت دون أن يكون لها استخدام حقيقي. تنهد بعمق وأحس بوجع الذكريات الصغيرة التي تثيرها الأشياء.

من بين كل الروائح التي يعبق بها المكان صدمته رائحة اقشعر لها بدنه للحظات وأنكسر استغراقه ليتلفت عن يمينه بحثا عن مصدر الرائحة ثم يسارا ليرى شبحا يلتمع في ضوء الشمس يمشي بهدوء وسط المارة يشبه والده. وقف مبهوتا يراقب، نفس الثياب البيضاء القطنية البسيطة، الغترة المكورة بغير اهتمام والبنية التي لا تخطئها عين من عرفه. مسح العرق البارد المتصبب من جبينه و ابتلع ريقه بصعوبة عندما فكر أن حلمه الملح إنما كان رسالة من أبيه تأخر طويلا في الرد عليها. رائحة المسك الممتزجة بالعرق لا تزال طرية في الهواء المشبع بالرطوبة انتزعته ليحرك رجليه المتسمرتين في الأرض ليتبع آثار الرائحة.

تقاطع ثان

من سيحتاج إلى كل هذه الدلال يا أبي، لماذا تنفق أموالك في شيء لا يفيد و لا يستعمل. " لم يجب الأب على النبرة المستنكرة الغاضبة لكن الانكسار بدا واضحا على وجهه الذي يشي بدواخله دون مواربة. في المرات السابقة كان والده يجيبه باختصار مرح " أنظر إلى الدلال و تمعن.. ما أحلاها" أو يقول " أنت لا تفهم ما تعني هذه الدلال ؟ " ثم يتلوها بضحكة خفيفة قصيرة توقف أي تطور للنقاش.

في الأيام التالية لم يستطع تبادل الحديث مع والده الذي يدخل المنزل و يحرص أن لا تتلاقى عيونهما. يخرج مبكرا في الصباح حتى لا يوصله في طريقه. غاضب و حزين ولكن في صمت يزيد من قسوة القطيعة بين ابن و أب. عندما يجلسان معا يظل والده محملقا في فضاء الغرفة دون أن يسمح بتبادل الحديث أو يخفف من ثقل الصمت الممزوج بصوت مذيع الأخبار في الإذاعة.

في ذلك اليوم قرر أن يسهر إلى الصباح حتى يمسك بأبيه قبل أن يغادر المنزل، يوصله بالسيارة وهناك يعتذر إليه بل سيبكي بين يديه ويقبلهما و سيطلب منه أن يصفح عنه فإن ثقل الإحساس بآثم الصمت بينهما يغتاله ببط ء. في الصباح الباكر دخل إلى المطبخ حيث تعود والده أن يشرب الشاي بالحليب قبل ذهابه إلى السوق فوجد الكوب على الطاولة نصف فارغ والبخار يتصاعد منه ببط ء وصوت اصطفاق الباب الخارجي يرن في أذنيه بشدة.

(ب)

أشعة الشمس تخترق الفتحات الكثيرة الموجودة في سقف السوق المغطى بجريد النخل وتنتشر على هيئة أعمدة من ضياء ترسم بقع ضوء بيضاء على الأرض. أبتعد عن دكان الدلال بخطى سريعة ينظر في الأزقة التي تتفرع عن شبكة من عشرات الأزقة التي تتجمع في ساحة السوق الواسعة. يحاول أن يتلمس الرائحة التي ألتقطها أنفه. يخترق الأزقة واحدا تلو الأخر. رآه أخيرا على مد البصر في نهاية زقاق باهت الضوء. أرتبك قليلا و توقف للحظات، الذكريات تمور في داخله، الذكريات السعيدة التي يجلجل فيها صوت والده بضحكة صافية كالأطفال والذكريات الحزينة التي لا يستطيع فيها أن يكتم حزنه فتظهر على وجهه حادة كئيبة.

نادى بصوت خفيض "أبي … أبي" فلم يسمع إلا تردد صداه في داخله وهو يعتصر قلبه. استجمع شجاعته ومشى نحو نهاية الزقاق وقلبه يدق بعنف وعرقه يلتصق برطوبة الطين. خطوات وئيدة عبرت سنينا طويلة، أحلاما كبيرة وشريط ذكريات انطوى مثلما انطوت المسافة إلى آخر الزقاق وهو يقف خلف شبح والده مباشرة. وضع يده المرتجفة على كتفه وعندما استدار له وسقط عمود الضوء بينهما وصوته يخرج خفيفا

"أب… " و أبتلع البقية عندما تبين الملامح التي نظرت إليه باستغراب ثم استنكار وهو قابض على الكتف بشدة وصمت الحيرة يعلو وجهه.

أنسل الرجل تاركا إياه في غيبوبته مشدوها وقد غامت عيناه بدمع مالح حارق.

تقاطع أخير

يرن جرس الهاتف بحدة تقطع نومه الذي بدأ متأخرا بعد الصبح. كل رنة مثل مطرقة فوق رأس مثقل بالنوم، تركه حتى توقف و أستغرق في النوم مرة أخرى. مضت دقائق معدودة وبدأ الرنين مرة أخرى، رفع السماعة بتثاقل

……؟

نعم.

صوت مألوف لم يستطع تذكر اسم صاحبه يجيئه مرتبكا يطلب منه الحضور بسرعة وفي الخلفية صوت بكاء مكتوم. ينقبض قلبه و تعصف الهواجس مثلما يحدث عندما يتجه لشيء مجهول أو مكان لا يعرفه. يقود سيارته بسرعة منخفضة كمن يحاول تأجيل الصدمة. عندما بلغ المكان المقصود ترجل حيث يقف في الطرف اثنان من أصدقاء والده. توجه أحدهما نجوه مباشرة و بريق دمعة تطفر من جفنه وأحتضنه بشدة.

أدرك كل شيء في تلك اللحظة وصرخ

أبي … ولكن، ولكن …

لم يكن يشكو من شيء حينما خرج هذا الصباح!

هو أمر الله.. يا ولدي.

وجذبه ليغوص في اللحم الساخن و نشيجه يعلو متقطعا مختنقا بالدموع. جلس على المقعد الخلفي في السيارة المتجه للمستشفى صامتا يتحسس الجرح في جنبه. جرح الرحيل المفاجئ، دون توديع ودون أن تملأ العين من لحظة أخيرة.

صرخ في داخله " ما أقساك أيها الموت… ما أقساك يا أبي." عندما وقف أمام السرير المسجى عليه تغطيه ملاءة مصفرة. يبدو الموت حادا عندما يكون طريا، لحظتها تشع الذكريات مثل خنجر ابيض محمى حتى التوهج.

هل تريد أن تراه قبل التوقيع على شهادة الوفاة ؟ قالها الدكتور ببرود شديد.

أعاد السؤال مرة أخرى بعد فترة صمت. حينما غالب دموعه رد بصوت مبحوح

.. لا, سأوقع..

(ج)

وسط بقعة الضوء وقف ينظر في فراغ الزقاق متحيرا ومطعونا بوجع الذكريات التي أثارها المكان وخيبة الأمل في أن يرى والده لمرة أخيرة وإن كان في داخله لم يؤمن بإمكان تحققها. الأيام الأولى على رحيل والده لم تزل طازجة في ذاكرته حينما تحجر الدمع في عينيه لثلاث ليال رافضا أن يصدق ما جرى رغم توقيعه في شهادة الوفاة. كان والده يقول له " الفقد، هو التصديق به " فبقى ينتظر رجوع والده في منتصف الليل البارد لثلاث ليال عند باب المقبرة. لم يكن في باله أن يموت والده هكذا، فجأة دون مقدمات ودون أن يرد شيئا من الحب الذي غمره به طيلة حياته. ويموت غاضبا منه ودون أن يستطيع الاعتذار منه. تسري في مفاصله قشعريرة باردة كلما فكر في عرى الجسد الساكن في القبر وسط برودة رطبة تتسلل للعظام و تنخر فيها.

أنفجر ببكاء مر مختلط بالنشيج تماما مثلما أنفجر الدمع غزيرا بعد ثلاث ليال من وفاة والده على صدر أمه التي لم تفهم شيئا مما كان يهمهم به.

يتطاير رذاذ الدموع وهو يخرج من الزقاق بخطى راكضة محاولا اللحاق بالرجل و صوت والده يهمس " الفقد، هو التصديق به".

الضوء الباهت الذي يتسلل شحيحا في الأزقة و الدموع المالحة يحجبان الطريق فصار يتبع رائحة المسك الملتصقة بطين الأزقة و هوائها. يتبع رائحة العرق التي يعرفها مثل اسمه. عندما ازدادت الرائحة وضوحا صدم الضوء عينيه و هو يدخل ساحة السوق الغارقة في بذخ من ضوء الشمس و أتجه إلى وسطها حيث الرجل مباشرة ووقف عنده. كفه تمسك بكتف الرجل الذي استدار بكله نحوه، تسمر قليلا ثم فتح ذراعيه و ضمه بعنف إلى صدره و صاح

أبي.. سامحني، سامحني يا أبي.

و أنخرط في نشيج مبحوح وعيون من بالساحة تنظر له في فضول شديد.

370312