كفى بحزنك حزناً!
خالد بن محمد الخنين * - 27 / 2 / 2011م - 7:43 ص - العدد (19)

يُغيب الموت علماً من أعلام التاريخ والأدب واللغة في هذا القرن الذي تهاوت فيه كوكبة من أعلامنا البارزين وفي فترات متقاربة.. إنَّ خسارة الأمة بفقدهم لفادحة وإن المصاب فيهم لكبير.

وعلامّة الجزيرة العربية الشيخ الجليل حمد الجاسر الذي كان ملء السمع والبصر واحد من هؤلاء الذين خطفتهم يد المنون بعد عقود من العطاء المتواصل ويكاد أن يكون آخر الكبار رحمه الله وأسبغ عليه واسع الرحمة والمغفرة وعوَّض في فقده خيراً..

مَرُّوا على الروح ما مروا وما عَبَرُوا

كما الغمامُ إذا وافى.. أو المطرُ

مروا فأينعَ بستانٌ وطابَ جَنىّ

وراحَ يُورقُ في دوْح العُلا الثَّمَرُ

الْقوا بذاكرة الأيام حُلْمَ نَدىً

ما زالَ تُشْرقُ فيه العينُ والبصرُ

منحت للفكر فكراً رائعاً وعلى

مَدَّ الزمان ستبقى في العُلى فكَرُ

يا رائعَ الحرف باقٍ ما مضيتَ وما

غاب اليراعُ.. ولا عنَّا مضى أثرُ

وافتْ على ظمأ الأعماق بي سيرٌ

تَتْرى وتعبرُ في أعقابها سيرُ

ونحن حولكَ في بوح الذُرا زُمَرٌ

تسعى إليك وتمشي خلفها زُمَرُ

كأنكَ الومضُ في الظلماء أرقه

عَتْمُ الدروب.. فهبَّتْ خلفَه دُرَرُ

وقامَ يسْطَعُ من تحت الرماد رؤىً

وراحَ يبرقُ من خلف الدجى الشرَرُ

وقفت تهزأُ في ساح الخطوب بما

ألقته عاصفةٌ هوجاءُ.. أو خطرُ

لبستَ ثوبَ كفاح مذْ خطوتَ على

درب الحياة ومُذْ ضاءَ السَّما قمرُ

نَعمْتَ بالشرف الأعلى وكنتَ على

ما كان فيكَ بثوب العز تأتزرُ

تجوبُ في عرصات البيد منتقلاً

وباحثاً عن ربوع القوم مَنْ عبروا

فكلُ رسم وقفتَ(الحينَ) تسأله

وكلُ طود تناجيه فيأتَمرُ

يا عالماً عشقَ الأحبابُ سيرتَه

أحبك الجيلُ والأجيالُ والسيرُ

تخبرُ القومَ أخبارَ الأولى سَلَفُوا

وكنتَ رائدَهم.. إنْ أشكلَ الخبر

أغنيتَ مكتبةَ التاريخ فازدهرتْ

بالعلم.. لا بغثاء كُلُه اشرُ

وبالفصاحة لا ترضى لها بدلاً

فهيَ الأثيرةُ في دنياكَ والسَّمَرُ

ما "لليمامة" مُذْ غادرتها أرقَتْ

وما لصحبكَ مُذْ غادرتَهم كُسروا؟!

وما لدرحك والأغصانُ ذابلةٌ

حزناً عليكَ وما للآه تَنْفَجرُ؟!

صمتٌ سرى كسواد الليل في دمنا

وفي العيون سرى من حزننا كدر

مَضَتْ خُطاكَ فللوديان حشرجةٌ

وللجبال خشوعٌ السَّرْو والخَفَرُ

وللصحافة مُذْ غابَ اليراعُ أسىً

عليك كاد أسىً يهوى وينتحر

هذي المرابعُ والذكرى يُؤرقُها

جرحٌ تغصُ به الذكرى وتسْتَعرُ

مرتْ على البال ذكراكَ التي عبرتْ

كما تمرُ بثقلٍ حزنها الصورُ

هم الصحابُ إذا غابَ الحبيبُ بكوا

على الحبيب فَضَجَّ الرملُ والحجرُ

غاب الهزارُ عن البَوْحِ الشَّجي ضُحىً

فالدوحُ باكيةُ عيناهُ والزهرُ

والخلقُ حولكَ ضاق الدربُ حولَهمو

وخلْتُهمْ بجنون الحزنِ قد حُشِرُوا

يا للوفاءِ بدا في أمة كَبُرَتْ

يومَ النسورِ هنا: في سَاحِها كَبُرُوا

لم تنتَقصْ هممٌ فيهم بموتِ فتىً

والباقيان هناك: المجدُ والظفرُ

يا منْ نأى وشفاهُ النخلِ يابسةٌ

لمَنْ تَرقُّ هوىً يوماً وتُعْتَصَرُ؟!

راحتْ تسائلُ عنكَ الصحبُ في لهفٍ

والبالُ مُنْطَفئٌ حُزناً ومنكسرُ

لكنهم ووجومُ الصمتِ يُلْجمُهُمْ

مَرَّتْ فما شَعَرَتْ فيهم وما شَعَرُوا

إلا نثارةٌ دمعٍ راحَ يذْرفُها

جفن وينزفُ شكواها دمٌ عَطِرُ

هذا الجناحُ وكبرٌ في الجناحِ بدا

فوقَ النجومِ.. فلا زهوٌ ولاَ بَطرُ

كَفَّاكَ أمطرتا هذي الربوعَ شذاً

ومُقْلتَاكَ ضياءُ الشمسِ يَنْتَشرُ

وحيثُ نحنُ فما غادرتنا قَبَساً

وذي طيوُبُكَ حول الصحب تنتثرُ

ويوم جاء لنا نَعْيُ الحبيبِ بكى

هذا الترابُ.. وكادَ القلبُ يَنْفَطرُ

لكنهُ قدرٌ آتٍ يظلُّ بنا

شمسَ اليقين، ودرباً خَطَّه قدرُ

كفى بحزنك حُزناً ما هوى علمٌ

وجانحاهُ ذُراً في الغيمِ أو شَجَرُ

الملحق الثقافي السعودي بدمشق
370526