لماذا القضاء قضية؟
التحرير - 27 / 2 / 2011م - 9:41 ص - العدد (20)

الاهتمام المتصاعد حول الشخص الأكثر تأهيلاً لملء منصب القضاء في منطقة القطيف بعد استقالة فضيلة الشيخ عبد الحميد الخطي يتواصل فيما لا مؤشر قريب على الحسم. وفيما يبدو ظاهراً أن الزخم الكثيف الذي حظي به هذا الموضوع أخذ، بسبب عامل الزمن، في التراجع تدريجياً.

طبيعة المداولات حول القاضي وقدرته على الوفاء بمتطلبات الواقع بكل أبعاده وتشابكاته كانت تعكس، في ذات الوقت، طبيعة الاستقطابات والتجاذبات الاجتماعية والفكرية وهي بلا شك تعكس تطور البنى الاجتماعية.

ويجب القول هنا: ليس من شأن هذه الافتتاحية الانتصار لطرف، أو الميل نحو اتجاه على حساب الاتجاهات الأخرى، ولكن الغرض بالتحديد هو تقديم قراءة تحليلية لما جرى باتجاه الإجابة عن السؤال: لماذا اصبح القضاء قضية؟

على امتداد القرن الماضي تناوب على منصب القضاء عدد من العلماء المشهود لهم بالقدرة على التعامل مع القضايا الإشكالية ذات البعد الفردي والعائلي والاجتماعي، في موضوعات الطلاق والزواج والوقف وحصر الأملاك والإرث وما شابه. وكانت المداولات حول القاضي كمنصب ديني واجتماعي تجري ضمن دوائر ضيقة اجتماعية ودينية، وما أن تحسم النتائج لصالح شخص بعينه حتى يحظى بالقبول العام، ويجري التعامل معه باعتباره حاكماً شرعياً كامل الصلاحية أو قريب من ذلك.

تعثر سيرورة القضاء في القطيف بسبب تضييق الصلاحيات المخول بالبت فيها أو الممنوحة له، ورفض المحاكم الشرعية الرسمية التعامل معه باعتباره مالكاً لشخصية قانونية مستقلة و حرمانه من التفويض الشرعي التام ساهم في تعقيد مهمته. وباعتبار القضاء، في صورته المستقرة منذ نشأة الدولة، يمثل أحد التعبيرات الهامة في العلاقة بين الدولة والمجتمع بدأ يأخذ موضوع القضاء أبعاداً أخرى خارج المجال النظري والعملي المحدد له.

بكلمات أخرى، أن القضاء لم يعد محصوراً في إطار القضايا الإشكالية التقليدية المدرجة في باب المعاملات والمثبتة في كتب الفقهاء ورسائلهم العملية، بل انجذبت إليه عناصر أخرى وضعته في إطار اكثر اتساعاً ليصل إلى مستوى أداة التمثيل الجماعي، ومقياس لنبض العلاقة، سلباً وإيجاباً، بين المجتمع في هذه المنطقة والدولة بشكل عام.

وباعتبارها المؤسسة الاجتماعية الأكثر ترشيحاً للعب دور اجتماعي هام، وبسبب غياب أطر تعبير جماعي أخرى كفيلة بترجمة المعنى الكامل أو الجزئي للتمثيل أو حتى حيازتها لآلية التعبير عن الذات والإفادة منها في إيصال المطالب واستيفائها بات القضاء وحده الكبسولة المضغوطة لتكفل عبء معالجة أزمة التمثيل.

التطورات التي شهدتها البلاد وسيما بعد الفورة النفطية أفرزت أوضاعاً سياسية واجتماعية إلى جانب الأوضاع الاقتصادية، وهذه الأوضاع فرضت نفسها على مجمل مؤسسات البلد سواء الرسمية أو الأهلية، ولم يعد بالإمكان الإبقاء على المؤسسات القديمة سواء على المستوى الكمي أو الكيفي، فتزايد أعداد المؤسسات الرسمية والأهلية وتغير طرق عملها وصلاحياتها هو الاستجابة الطبيعية لمتطلبات مرحلة التحديث، وإلا فالعطالة في حركة الأجهزة ومسؤولياتها المقررة هو القدر المحتوم. فبين تضخم بعض المؤسسات واضمحلال البعض الآخر تكمن مشكلة الإنجاز والتمثيل.

وتفسير عب القضاء هو أنه أستثني من عملية التحول العام الذي شهدته البلاد ولم يعد قادراً على تلبية حاجات وضع جديد، كم من يطلب من شخص حفر بئر بإبرة أو دبوس. في المقابل، يجد الناس في هذه المؤسسة القناة الموصلة بينهم وبين الجهاز الإداري في الدولة، فيما كان للزيادة السكانية وتنامي تطلعات المجتمع وتعقد مشكلاته دور ضاغط لتوسيع هذه القناة في غياب قنوات موازية قادرة على امتصاص هذا الفائض الكبير المتراكم منذ بداية المأسسة الواسعة النطاق عقب انطلاق مشاريع التنمية الممثلة في الخطط الخمسية.

القضاء قضية لأنه أحد مؤشرات الوعي العام، وأحد التعبيرات الجماعية عن قضية مباشرة وقضايا أخرى غير مباشرة، وهو بصورة إجمالية رسالة جماعية يراد إيصالها بطريقة النقاشات الجانبية والاقتراحات والمداولات التي تلبي حاجة داخلية للتعبير عن الذات. ولو كان ثمة مؤسسات أخرى موجودة لما كانت هناك حاجة إلى هذا الهدر الكثيف من الزخم الجماعي في موضوع قابل للحسم بطريقة هادئة وضمن قوانين المنافسة الديمقراطية النزيهة.

ثمة جانب آخر جدير بالاهتمام ويرتبط بدرجة كبيرة في حدية الاستقطابات الاجتماعية والفكرية والتي عبرت عن نفسها بصورة أو أخرى منذ بدء التداول في هذا الموضوع، وتحديداً فور انتشار خبر الاستقالة.

صحيح القول بأن مجتمعاتنا تفتقر إلى تقاليد ديمقراطية كفيلة بضبط سلوكنا العام والالتزام بقوانين التنافس الشريف بين المرشحين لهذا المنصب، وصحيح أيضاً أن غياب المؤسسات الديمقراطية تسهم في كثير من الأحيان في رسم مسار عام للجماعات في التقيد بضوابط محددة تنحصر في الموضوع مورد التنافس ولا تحيد عنه بحيث تجهض العملية التنافسية بفعل النزوع إلى "شخصنة" العملية برمتها. صحيح كل هذا، ولكن ما هو غير ذلك هو أن التقاليد الديمقراطية والقبول بالآخر والاعتراف بحقه في الدخول إلى حلبة المنافسة لا تخلق في فراغ، بل هي عملية ممارسة بالدرجة الأولى، وإنما يصبح التقليد تقليداً حين يمارسه المجتمع بصورة مستمرة بحيث يتحول إلى ضابط للعلاقة وحاكماً عليها. ومفعول هذه التقاليد لا يتم إلا بوجود العامل الإيماني/ الديني والضوابط الأخلاقية.

فإذا كان القضاء منصباً ذا مضمون ديني، وأن المجتمع يمتثل لإملاءات الدين الحنيف وتعاليمه التي تنهى عن الفحش في القول والعمل، وتدعو إلى حسن الظن بالآخر والتعامل معه بالحسنى وإنصافه فإن التنافس الشريف والقبول بالاختلاف والاحتكام إلى رأي الأغلبية واحترام النتائج النهائية يتحول بمرور الوقت إلى تقليد يجيز لكل شخص في التعبير عن نفسه دونما خوف اختراق المحرم، أو الخروج على الإجماع لأن في هذا التقليد وغيره من التقاليد الديمقراطية الأخرى ما يسمح بنشوء تعدديات فكرية واجتماعية وسياسية. والقضاء في سيروته الحالية هو تجربة عملية لاختبار قدرة المجتمع على استنبات هذه التقاليد وتعزيزها كيما تتحول إلى معلم ثقافي واجتماعي.

وهذا لا يتعارض مطلقاً مع الاعتصام بالوحدة الاجتماعية في القضايا المصيرية المشتركة، فالاختلاف داخل الجماعة الواحدة ليس مبرراً لانقسامها وبخاصة حين تتصل بالقضايا المشتركة الجماعية، وحسب المثل "نقف مختلفين ونسقط متحدين".

358523