قرن من تاريخ القضاء في القطيف
عبدالعلي آل السيف * - 27 / 2 / 2011م - 9:49 ص - العدد (20)

- 1 -

القطيف الحاضرة العريقة على الخليج العربي تلج القرن الرابع عشر الهجري وهي جزء من الدولة العثمانية المتهالكة تتبع إدارياً متصرفية الأحساء وكان يحكمها قائمقام.

والقضاء ضرورة حياتية لكل مجتمع فهو الفيصل في النزاعات وهو طريق كثير من العقود والإيقاعات التي تنظم حياة الناس غير المواريث وتقسيمها بين مستحقيها وجوانب أخرى من الأعمال والتوثيقات والحجج التي يحتاج فيها الناس إلى القضاة.

والقضاء في القطيف يمكن تقسيم أدائه إلى ثلاث مراحل:

الأولى: امتداد القرن السابق (الثالث عشر) حتى نهاية الثلاثينات من القرن الرابع عشر.

الثانية: تتلوها حتى نهاية السبعينات من القرن الرابع عشر.

الثالثة:التي تليها حتى يومنا هذا.

- 2 -

في المرحلة الأولى وبالتحديد حتى دخول القطيف تحت حكم آل سعود كان هناك نوعان من القضاء.

الأول: القضاء الرسمي الذي يفصل في الحوادث والجرائم والاعتداءات التي تحتاج إلى إقامة حد أو تعزير كان يتولاه قاض تابع للدولة العثمانية يعيّن من العراق وكان مقر المحكمة (دروازة البحر) المدخل الشرقي للقلعة بجوار مركز الشرطة.

الثاني:القضاء الشرعي وهو الذي يعنى بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونفقه ومواريث وغير ذلك مما يدخل في هذا الباب بل في هذه المرحلة كان ينظر القاضي بعض المنازعات والخصومات في الحقوق العامة ويصدر أحكاما مقبولة لدى المتخاصمين سنة وشيعة ولعل ابرز قاض في هذه المرحلة هو الحجة الشيخ علي أبو عبد الكريم الخنيزي (ره) تربع على منصة القضاء منذ عام 1323هـ وحتى وفاته 1362هـ.

- 3 -

وبدخول القطيف تحت الحكم السعودي عام 1332هـ تبدأ مرحلة جديدة بالنسبة إلى منصب القضاء ولعل الشيخ محمد بن عبد اللطيف وكاتبه السيد إبراهيم البتيل أول من تولى القضاء في محكمة كانت امتداد للمحكمة التي أسلفنا ذكرها في المرحلة السابقة.

وإلى جانب هذه المحكمة الرسمية هناك محكمة أخرى كانت قائمة.

وامتّدّ عطاؤها بإقرار الحكومة الجديدة الحجة الخنيزي (ره) على عمله.

ومن تتبع الصكوك وبالذات في الستينات وبداية السبعينات من القرن الرابع عشر نقرأ صكوكا اسم الحجة الخنيزي يتوّجها وهي باسم محكمة القطيف وفي مواضيع مختلفة وعليها طوابع مالية ومسجلة بسجلات المحكمة إو كتابة العدل ويدلنا هذا على أن القضاء الشرعي كان مقبولا لدى الدولة حيث تسجل في سجلاتها وعلى مطبوعاتها ولدى المواطنين مهما تباينت توجهاتهم المذهبية.

ويستمر عطاء الحجة الشيخ الخنيزي (ره) حتى انتقل إلى جوار ربه في صفر عام 1362هـ وانحصر القضاء في عمه الإمام الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي (ره) حتى انتقل إلى جوار ربه في ذي القعدة عام 1363هـ ثم انتدب للقضاء الشرعي الجعفري العلامة الشيخ محمد علي الخنيزي (ره) إلى أن خلفه في منصبه الحجة الشيخ علي الجشي (ره) بين عامي 1367هـ حتى وفاته في جمادى الأولى عام 1376هـ.

وفي هذه المرحلة بين عامي 1332هـ حتى 1376هـ يمكن رصد:

القضاء في عهد الخنيزيين كان قضاء عاما للسنة والشيعة وكانت الصكوك التي يصدر أنها صكوكا باسم الحكومة وتسجل في سجلات المحكمة وكتابة العدل ولم يكن هناك رفض لهذه الصكوك في جميع ما تصدره المحاكم عادة ما عدا الحدود والتعزيرات التي يتولاها قاضي القطيف المعين من الدولة ويدخل في سلم القضاة ويتمتع بامتيازاتهم.

لم يكن للقضاء الشيعي مقر أو مجلس قضاء رسمي أن شئنا التحديد بدقة بل يتولونه في بيوتهم وفي أي محل يحتاج خصوم إلى نظر قاض ستجده يباشر عمله وما يحتاج إلى توثيق وتسجيل يأخذه المعني إلى المحكمة أو كتابة العدل لتسجيله.

من أهم أعمال القضاة في هذه المرحلة أنهم حفظوا عقارات أهل القطيف من الضياع بإصدار حجج استحكام لكل من تقدم طالبا حجة استحكام على عقار آل إليه بالشراء أو الهبة أو الميراث أو الإحياء أو المقاسمة أو المزارعه وغير ذلك من طرق الأيلولة وكانت الحجج نافذة ولم يكن في هذه المرحلة تدخل لجهات حكومية في هذه الحجج كما سيأتي في مرحلة لاحقة.

- 4 -

سنرصد في المرحلة الثالثة للقضاء في القطيف فترتين:

الأولى: الممتدة من عام 1376هـ حتى نهاية القرن الرابع عشر الهجري.

الثانية: من بداية القرن الخامس عشر الهجري إلى يومنا هذا.

فقد استمرت محكمة القطيف الرسمية من غير تغيير سوى انتقالها إلى العقار العائد للمرحوم الحاج حسن الخنيزي رحمة الله في السوق ثم انتقلت إلى مبنى سعود الحداد.

وفي هذه المرحلة (حوالي 1380هـ) تقريبا تولى رئاسة المحكمة فيها الشيخ عبد الله المبارك واعتبرت محكمة كبرى إذ عين مساعد للرئيس وكان وقتها الشيخ يوسف الدغفق ثم انتقلت إلى المبنى المجاور لإمارة القطيف (سابقاً المحافظة حالياً) وزاد عدد القضاة حتى انتقلت المحكمة إلى مقرها الحالي المستأجر ويرأس المحكمة رئيس ويساعده مساعد وفي المحكمة قضاة آخرون يصلون إلى الستة غير المحكمة المستعجلة يتولاها رئيس ومساعد.

ويوالى القضاء الشيعي في هذه الفترة بالذات عطاءه مع تطورين مهمين يلمسهما المتتبع منذ تولى الشيخ محمد صالح المبارك (رحمه الله) وخلفه العلامة الخطي حفظه الله:

1- أنهما أعدا مجلسيهما مقرا لمحكمة جعفرية (بهذا الاسم) طوال أيام العمل الرسمي أسوة بالدوائر الحكومية.

2- انهما استعملا سجلات ودونا فيها وارد المعاملات وصادرها ودونا صكوكا يحمل اسم المحكمة الجعفرية ومسجلة في سجلات إقرار وسجلات إنهاء قبل تبيضها وبأرقام متسلسلة وحسب الأعوام يدونان فيها ما يصدرانها من صكوك.

وفي هذه المرحلة واصل عمل المحكمة الجعفرية (اسمها الجديد) في إصدار حجج الاستحكام لما يكون إيلولته بالإرث والأوقاف وأعواضها عند بيعها وكان عمل القاضي موضع قبول وتعاون واحترام عند جميع الدوائر الحكومية التي تقتضي طبيعة المعاملة المنظورة إمام القاضي أن تبدي فيها رأياً أو تنفيذاً و تحديداً... الخ

ولعل هذه الثقة أوغرت صدر المحكمة الكبرى وبعض قضاتها الشباب وشرع في إعداد أرضية للنيل من المحكمة الجعفرية كما سنرى.

- 5 -

ويهل القرن الخامس عشر على القطيف وحادثة الحرم المكي الشريف ويسبقها قيام الجمهورية الإسلامية في إيران تسمم الأجواء يستفيد منه من يريد تدمير علاقة الود والوئام بين أهل القطيف الشيعة وبين أهل القرار استحق عليها الشيعة الطعن في وطنيتهم وفي انتمائهم إلى أرضهم بل في عروبتهم وبل في إسلامهم أيضاً.

وتنطلق الأفواه خطباً في المساجد أو برامج عبر الأثير والأقلام كتبا ومقالات وفتاوى تكفيراً أو تبديعاً لأهل القطيف حتى شكل كل ذلك حواجز نفسية بين أهل القطيف وبين جيرانهم الأقربين.

ومن غير القضاة وهم العلماء الذين يحملون على عاتقهم إخراج أهل القطيف من ربقة الإسلام يطبق كل هذه المقولات؟

ففي الوقت الذي كان قضاة المحكمة الكبرى بالقطيف قبل هذا التاريخ 1400هـ لا يظهرون لأهالي القطيف رفضهم لشهاداتهم أو تكذيبهم أو الطعن في خبراتهم, انقلب الوضع إلى التعجيز في قبول شهادة الشاهد فالأصل في أهل القطيف الكذب حتى يثبتوا انهم صادقين وقس على ذلك.

ولعل ابلغ شاهد على ذلك إجراء مساعد المحكمة عقد زواج لغير قطيفي على قطيفية بدون إذن وليها والدها ولما اعترض افهمه القاضي أن الشرع هو وليها باعتبارها أصبحت مسلمة وهو غير ذلك.

ومن هنا بدا وضع العصيّ في دواليب محكمة الأوقاف والمواريث:

منعت من إخراج حجج الاستحكام للعقارات الآيلة لمالكيها بالميراث.

منعت من إخراج حجج الاستحكام للأوقاف أو أعواضها عند بيعها.

منعت دوائر البلدية والأوقاف والمالية والزراعة وغيرها من الدوائر التي لها علاقة بحجج الاستحكام من مخاطبة محكمة الأوقاف والمواريث باعتبارها جهة غير ذات اختصاص؟

الإيعاز لكاتب العدل بعدم إجراء أي مبايعة أو رهن أو مقاسمة على عقار سبق تسجيله لدى محكمة الأوقاف والمواريث وإلزامه بإعادة تسجيله لدى المحكمة الكبرى.

رفض محاضر قسمة التركات لتحفظ قضاة المحكمة على ميراث الزوجة وهذه مسالة للفقه الجعفري فيها رأي.

رفض صكوك حصر الميراث إذا كانت الوارثة وحيدة (وهذا رأي الفقه الجعفري) ويلزمون المراجع بالتعصيب أي أن تعصب الوارثة برجل من أقارب المورث.

صحيح أن محكمة الأوقاف والمواريث أسست بقرار سامي برقم1/117 تاريخ 30/4/1400هـ وأعطيت صفة رسمية من خلال مبناها المستأجر وسجلاتها وصكوكها التي تحمل اسم وزارة العدل واصبح القاضي في عداد قضاة وزارة العدل ولكنها فرحة لم تتم.

فهل في المستقبل المنظور تعود هذه المحكمة إلى قوتها التي كانت عليها قبل عقود؟؟

ورقة في أداء محكمة الأوقاف والمواريث بالقطيف

- 1 -

القضاء حاجة ملحة لكل مجتمع ينظم حياة أفراده ويحفظ التوازن بينهم ويكون رادعاً لكل خارج عن حياة الوئام بينهم.

ومنذ عهد مبكر جداً تأسست مدارس فقهية:

- مدرسة أهل البيت.

- مدرسة الحكم الذي خلف الرسول حتى يومنا هذا.

ويبينها رواة حديث للرسول انقرضت آراؤهم بعد القرن الأول.

وبقيت المدرستان حتى يومنا هذا.

فالمدرسة الأولى (اتباع أهل البيت) أصبح اسمها فيما بعد الجعفرية نسبة إلى الإمام الصادق ويتشرف أهل القطيف بالانتساب إليها من عهد الرسول الأعظم .

وبين المدرستين مسائل خلافية وما وضعت كتب فقه المذاهب إلا لبيانها.

من هنا نشأت الحاجة إلى محاكم متعددة تراعي هذه الخصوصيات بين اتباع كل مذهب.

إن تأصيل القضاء الشرعي لأهالي القطيف منذ عهود قديمه إنما هو إدراك لهذه الحاجة وكان القضاة منذ عهد الدولة العثمانية يختارون من علماء القطيف لعلمهم بما يتفردون به من آراء فقهيه خاصة بهم وكان آخر ذلك في العهد السعودي (محكمة الأوقاف والمواريث) التي أنشئت بقرار سامي برقم 1/117 وبتاريخ 30/4/1400هـ وكان على رأسها منذ تأسيسها وحتى اليوم سماحة العلامة الشيخ عبد الحميد الخطي حفظه الله.

- 2 -

إن اسم المحكمة يقودنا إلى طبيعة عملها:

- جميع ما يتعلق بالمواريث لأهالي القطيف الشيعة.

- جميع ما يتعلق بالأوقاف الشيعية.

ففي الشق الأول يتصور:

- توثيق الزواج والنظر في الخلافات الزوجية.

- توثيق الطلاق والنظر في النفقات وغيرها.

- توثيق حصر الإرث.

- قسمة المواريث.

- منح الولاية على القاصرين والإشراف على الولي وتصرفاته إزاء من ولي عليهم.

- إجراء الحجر إذا تقدم أحد من أصول أو فروع المحجور عليه وتنصيب ولي عليه بنظر المحكمة.

- إثبات الإعالة والحياة و الزوجية لمن يتوقف تسيير معاملاته عليها.

- إخراج حجج الاستحكام لكل عقار آل لصاحبه بالميراث.

وفي الشق الثاني يتصور:

- إخراج حجج الاستحكام للأوقاف.

- التولية على الأوقاف.

- الإذن لولي الوقف بإجراء البيع أو المقاسمة أو المزارعة أو الأحياء تحقيقا لحفظ الأوقاف ورعاية مصالحها وتسجيل ذلك في صكوك أو إخراج حجج استحكام بما تم الإجراء عليه.

- تقدير أعواض الأوقاف المباعة (بعد إذن المحكمة) وتسجيل العوض وتهميشه بالوقفية.

- إجراء الوقفية وتوثيقها للأوقاف الجديدة.

وليس هذا كل عمل المحكمة على سبيل الحصر وإنما يتشعب وتنشا حاجات أخرى لتتخذ فيها المحكمة إجراء.

ومن الجدير ذكره أن هذا التصور المذكور أعلاه لعمل (محكمة الأوقاف والمواريث) كان بالفعل ما تؤديه قبل أن تسمى بهذا الاسم وقبل أن تتمتع بالرسمية أي قبل عام 1400هـ.

- 3 -

إن بعث الحيوية لمحكمة الأوقاف والمواريث وأعادتها لسابق عهدها قبل تحجيمها ووضع العصي في دواليبها لتخرج من وضعها الحالي المنقوص الأهلية ضعيفة واهنة هرمت قبل أن تحبو فلم تنعم بريعان فتوة ولا قوة شباب ولا كمال كهولة.

وحتى تتمكن المحكمة من ذلك لا بد لها في رأيي من علاج مكثف يخرجها من غرفة العناية الفائقة حتى تقف على قدميها.

والعلاج يكون:

أولا: بإعادة هيكلتها:

إن المحكمة حالياً فيها قاض وكاتبا ضبط بالأجر اليومي وكاتب صادر ووارد ومراسل وعامل نظافة.

فهل يمكن لمحكمة هذه طاقاتها إنجاز أعمال لما يربو على 500000 نسمة هم كل سكان القطيف الشيعة؟

إن حجم عمل محكمة الأوقاف والمواريث وطبيعته يستلزم أن يكون الهيكلة كالآتي:

- رئيس محكمة بجميع صلاحيات رؤساء المحاكم أسوة بالمحاكم الأخرى.

- يساعده قاضيان بحيث يكون هناك إنجاز وسرعة أداء في تسيير أمور المحكمة.

- لكل من الرئيس والقاضيين كاتب ضبط.

- ثلاثة من الكفاءات وحسني الخط للعمل في السجلات تدوينا وتهميشا وتبيضا.

- كاتب صادر ووارد.

- مراسل داخل المحكمة.

- مراسل خارج المحكمة لإيصال البريد والمعاملات بين المحكمة والدوائر الأخرى.

- سائق.

- عامل أو أكثر للعمل في حقل النظافة

إن هذه الطاقة البشرية (وعلى أساس أن يكون توظيفهم حسب أنظمة الخدمة المدنية سواء داخل الهيئة أو خارجها) تكاد تكون كافية لتتمكن المحكمة من أداء مهامها في وقتنا الحاضر ويراعى زيادة في القضاة والإداريين كلما اقتضت الحاجة.

ثانيا: إعادة ما سلب من صلاحياتها:

يستلزم ذلك:

- إعادة الاعتبار لها لينظر لها على أساس أنها محكمة تابعة لوزارة العدل قضاتها وموظفوها يتبعونها إدارياً.

- الإيعاز إلى جميع الدوائر الحكومية بمخاطبتها (كالسابق) في جميع أعمال حجج الاستحكام والمقاسمات وغيرها.

- إنفاذ جميع قراراتها وأحكامها بالصرامة التي تنفذ بها أحكام المحاكم الأخرى.

- حصر التقاضي في خصوص الأوقاف والمواريث للشيعة بهذه المحكمة حتى يقطع الطريق أمام من تسول له نفسه الطعن في أهليتها.

- وقف إلزام أهالي القطيف الشيعة بأحكام فقهية لا يتعبدون بها حسب مذهبهم في الأوقاف والمواريث.

- الإيعاز للجهات المختصة بعدم قبول إيقاعات الطلاق للشيعة إلا من طريق محكمة الأوقاف والمواريث لوجود أحكام يتفرد بها المذهب الجعفري.

- 4 -

وبعد فهذه ورقة اطرحها للمناقشة لإثرائها وتقويم ما ورد فيها من أفكار والغاية المنشودة أن نصل إلى تصور متكامل يجب أن تكون عليه محكمة الأوقاف والمواريث بالقطيف وهي مرفق مهم لجميع أهل القطيف تخدمهم ومن منا لا يحتاج إلى هذه المحكمة؟

باحث وأديب
370526