قوة
قصة قصيرة
منصور آل سيف ونجيبة السيد علي - 27 / 2 / 2011م - 11:17 ص - العدد (20)

ضغط (أحمد عبد الله) زر المصعد الكهربائي إلى الدور المطلوب في مبنى السكن الجامعي، واختلى بخلجات ذهنه المتوثبة لحظات قرر فيها أن يكلم صديقه(حسين جابر) في أمرين شغلاً باله مهما بلغ به الحرج!

لقد وطدت الزمالة الجامعية علاقتهما، فأضحى كل منهما مرآة للآخر، ومع ذلك كان سطح المرآة مشوباً ببقع داكنة لا تشف عن لون واضح!

سنتان مضت على زمالتهما ولم يسمع من حسين جابر لفظة (السلام عليكم) ولا مرة واحدة، اعتاد أن يبادر الآخرين بقوله (قوة) بالقاف الخليجية المفخمة يطلقها لسانه مداعباً شفتيه فتملأ حروفها الصغيرة فمه الواسع مشدداً على حرف الواو الذي يحوّل شفتيه إلى حلقة مستديرة وكأنه يصفر.. وتستقبلها الأذن كما لو كانت لفظة ذات مقطعين جسر هما الواو.. وغالباً ما يشيع كلمته اليتيمة بوهج من الابتسامات التي تمنحها ثقلاً مناسباً يحدو بالكثيرين من الطلبة وزملاء السكن الجامعي إلى تداولها إن لم تكن مبادرة فرد التحية بمثلها، خصوصاً وهي كلمة الفلاحين والمزارعين، اعتادوها تحية خاصة ممزوجة بدعاء التقوى والتصبر على مشاق عمل الفلاحة.

ومع أن حسين جابر الطالب الجامعي الريفي ذي النهم الكبير للدراسة، ليس إلا بذرة الحقول والمزارع.. وشظف العيش.. إلا أنه كثيراً ما تستغرقه الطفولة على كبر سنه إذا ما قورن بزملائه في الدراسة الجامعية من أبناء المدن والحواضر..

استرجع احمد عبد الله مواقف كثيرة طالما ملأته دهشة آخرها ما حدث الليلة البارحة، فعكر أجواء مذاكرة ما قبل الامتحانات.. قبل رجوعهما للسكن الجامعي كان حسين جابر قد اشترى لعبة (رشاش عسكري) لأخيه الصغير، لكنه انهمك يتأمله ولهاً ثم يلعب منتشيتاً بصوته الهادر مشيعاً في غرفة السكن الجامعي جواً أبعد ما يكون عن المذاكرة.

وفي حين تغاضى أحمد عبد الله عن أمر كهذا معتبراً إياه من خصوصيات التصرف الفردي، إلاّ أن الأمر الأول شغل باله بعض الشيء، وتريث عنده محاولاً إيجاد العلل أو خلق الأعذار، ربما لأنه ليس الوحيد الذي لحظ الأمر، حتى مجموعة الأصدقاء والزملاء أبدوا التفاتهم، وآخرون جعلوه شماعة لتأويلات متفاوتة الحجم تمس شخصية حسين جابر.. كثيراً ما سمع تلك التأويلات وعدها نوعاً من التجني على شخص صاحبه.. متكبر، لديه مركب نقص، أو هو مجرد مغرور.. ربما تلك الصفات أبعد ما تكون عنه، هكذا دافع عن صاحبه بين مجموعة الأصدقاء ومع ذلك فقد توقف عند قول أحدهم:

- أرى أن كثيرين تأثروا بطريقته في السلام، وصاروا يرددونها في تحيتهم حتى غدت كالموضة.

لدى وصول أحمد عبد الله إلى غرفتهما، وقبل أن يطرق الباب على زميله قرر أن يدخل الغرفة ملتزماً الصمت على غير عادته، إذ ربما كان الصمت القنبلة التي تفجر الكلام!

* * * *

على بساط حارق من أشعة شمس (الرامس) بالعوامية، كان حسين جابر الصبي الذي لم يجاوز سنواته التسع يمتطي حمارته متجهاً نحو (حوطة النخل) المستأجرة أو عائداً منها بين ضفتين كثيفين من الحقول المثمرة والبساتين الخضراء تفصلهما جداول الصرف الممتدة كشريان حيوي وممرات تضيق بأكوام من التبن ولفائف البرسيم، لقد مارس أعمال الرجال منذ نداوة الطفولة حتى لونت مهنته سماته، فبدأ شكله مجاوزاً عمره، قامته المديدة، عظامه العريضة، يداه الضخمتان، يجتره عمل نهاري شاق، حفر وحرث، أعلاف الحيوانات، إرواء المزروعات وجني الثمار، وقبل المغيب عليه أن يحمل حمارته الهزيلة بعض ما يجنيه ليصل به إلى مالك المزرعة.

مع نسمات الأصيل المفخخة بنقيق الضفادع تتجاسر امكنياته في صدره يمني نفسه باللعب كما يلعب الصبية في الطرقات أو بين المزارع والنخيل، أو حتى بالاستغراق في مراقبتهم بعيداً عن هاجس مضي الوقت وتأخر ما لديه من حمولة وتبعاتها، يعتريه حسد طفولي لكل صبي يركض برجله ليلعب بالكرة أو بالتيلة لا ليعمل أو ينفذ أوامر والده.. ولا يعلم أنهم يحسدونه أيضاً، لأنه لا مدرسة ولا واجبات، ولا وظائف مدرسية ولا ضرب من مدرس الحساب أو استهزاء من معلم الإملاء.. لا رسوب ولا نجاح تختلج مشاعره في داخله يمتقع وجهه بألوان تشي بما في نفسه، وسرعان ما يضرب على حمارته يحثها الخطى عند أول محاولة من أحدهم للتعرض إليه بسخرية أو تعليق أو مجرد مزح بريء.

فرصة في اللعب كانت نادرة مشوبة بالخوف والحذر، حين يبارح والده المزرعة لبعض شؤونه، فإن حسين جابر يقتنصها فرصة ليتمتع بلعبته الوحيدة المتاحة! فتستغرق العين بمياهها الجوفية همومه الصغيرة، يعلو صراخه اخوته الصغار ومن يحالفه الحظ بالسباحة معهم، لكن المشكلة إذا ما فاجأ أبوه متلبساً، حينها يقف أبوه منتصباً مرسلاً يده إلى وراء ظهره، يهتز حسين جابر لكلماته التي تأتي دائماً من أعماق حنجرته:

- إيه.. إيه.. السلام عليكم..

ما يعني هذا السلام.. هل هو سخرية أم تهكم.. أم عتاب أو هو ذاته السلام المندوب في الإسلام..؟ ولم لا يأتي السلام من أبيه إلا حين يجده متلبساً باللعب أو اللهو كما يحلو لأبيه تسميته!

ولا ينتظر والده رد السلام، بل لم يكن يعطيه الفرصة للرد لذا وجد نفسه دائماً غير مكلف بالرد على والده فضلاً أن يبدأ هو بالسلام كما الكبار.. الكبار الذين شاركهم في عناء عملهم لكنه حرم أن يعامل ويحترم مثلهم، ربما كانت العلاقة بينه وبين والده آلية، يبادره دائماً بإيضاح جزئيات عمل اليوم وعلى حسين جابر أن يحذر التقصير أو النسيان، وحتى التأخير تلك وصية والده في البدء والختام، أما هو فعليه الالتزام باستمرار..

وإذا ما عرض لدى والده عمل آخر، رفع صوته المسحوب من الأعماق ليصل إلى حسين جابر أن كان من أطراف (النخل) ولا مانع لدى والده من أن يناديه باسمه المقلوب (حسنوه) ويطيل النداء ليهرع إليه على عجلاً.. أحس بقسوة أبيه قبل أن يتبين حنانه، ربما هي حياة المزارع وشظف العيش وربما هي أشياء أخرى! ومع ذلك فلم يشعر يوماً بأدنى كره لوالده أليس هو يشقى من أجل العائلة كما يقول، ولم ينسى ذلك اليوم الذي شهد فيه والده وهو يتعارك مع مالك (النخل) حتى كاد أن يسقط أرضاً، لكن أمنياته في أن يلعب، رغباته في أن يكون كما أترابه بين المدرسة والطرقات تبقى عالقة، تقلق نهاره وتخصب أحلام ليله المظلم..

اعتاد أن ينهمك في عمله، متحاشياً التعرض لمن يدخل المزرعة بكلام أو سلام.. رأى في سلام الآخرين شفقة خفيّة فطن إلى بعض أسبابها.. وأشد ساعات عمله على نفسه تلك التي تكون في الواجهة الغربية لحوطة النخل المحاذية للشارع، حينها يكون معرضاً لأنظار المارة وسلاماتهم التي يجدها فارغة المعنى سلبية المدلول.. يردّ حانقاً:

- شغلتنا فقط رد السلام..

ثم لم تبخل السنوات على حسين جابر من أن تقرب بينه وبين أمانيه، في موجه قاهره أخرجت سكان الأرياف نحو المدن الصناعية في رأس تنورة والجبيل والظهران.. عزت الأيدي العاملة في الفلاحة فبهضت تكاليفها ما تجود به النخل، حتى والده هجر الفلاحة ليكون موظفاً في شركة(أرامكو) فكانت فرصته في اختيار طريقه.. سعى لإتمام نواقصه جاداً تحثه تسهيلات كثيرة للراغبين في نيل الشهادة الابتدائية.. الحق الابتدائية بالمتوسطة فالثانوية رغم كبر سنة نسبياً، ومنها انتقل إلى الدراسة الجامعية، تحرر من قيود كثيرة وبقيت قيود رجولته المبكرة تكبله.

* * * *

دلف أحمد عبد الله، امتد صمته هنيهات بسيطة سرعان ما قطعها حسين جابر ببشاشته قائلاً:

- قوة..

لم ترتخ شفتاه من استدارتهما بعد تحيته المعهودة إذ بادره أحمد عبد الله بالكلام وقد أيقن أن تحية المزارعين قد أفسدت قنبلة الصمت.. قال:

- هناك أمر أود الحديث فيه..

- تفضل..

- جلس قبالة صاحبه، طفحت نبرته بنداوة خاصة قال:

- منذ أن تعرفت إليك يا صديقي وإلى الآن لم اسمع منك كلمة السلام عليكم.

فتح حسين جابر عينيه متأملاً وجه صاحبه، ثم ما لبث أن أرخى أهدابه في غير اكتراث.. قال:

أوليس السلام مستحباً؟!

- نعم، لكن الردّ واجب!

- وأنا اسلم، وارد بطريقتي الخاصة!

- لكنها يا أخي لا تغني عن تحية الإسلام.. كم هي رائعة بما تشيعه من معان إنسانية عظيمة..

رمق حسين صاحبه بنظرة فيها شيء من الاعتراض، واصل أحمد عبد الله:

- من ناحيتي هذه اللفظة لها دور إيجابي خارق في حياتي.

ضمّ حسين جابر شفتيه عاضاً على الجزء السفلي منهما، استقام أحمد عبد الله، قال بنبرة استغرقها الماضي:

- لم يكن عمري قد جاوز السبع سنوات،حين دخلت إلى أحد مجالس الذكر في بلدتنا الصغير، فسلمت على استحياء، ولم أكن أوقع رداً إلا همساُ، لكني فوجئت بالخطيب يقطع كلامه ليرّد سلامي ويحييني أحسن تحية، التهمتني أعين كثيرة، غمرتني الرجولة، بعد تخرّجي من المعهد درست في إحدى المدن الصناعية الجديدة..مناطق سكنية تجمع غرباء عن بعضهم..لكن البادرة بالسلام خلقت جواُ من الألفة سرعان ما بدّد الغربة.

أخذ أحمد عبد الله نفساً عميقاً، التقت نظراتهما في صمت، وانزلق صوت حسين جابر من ردهات حلقه المخنوق بغبار الماضي.. واسترسل حتى طوى صفحات من ماضيه وأخرى من حاضره تاركاً الخيوط تتصل في تلقائية، علق أحمد عبد الله:

- شيء غريب حقاً.. لكن اعتقد أن الروح التي استطاعت أن تغالب عقبات كثيرة قادرة على فك عقدة كهذه والتحرر منها!

لملم حسين جابر كتبه ودفاتره، وضعها بين يديه لحظة.. ثم تركها جانباً إلى منضدة.. حدق في ساعة يده.. قال:

- لدي موعد.. قوة..

قالها.. وخرج تاركاً زميله حائراً لا يدري ماذا يقول.. لكنه نبس بتلقائية:

- الله يقويك…

370311