عين لا تريد أن تعرف..!
قصة قصيرة
حبيب محمود - 27 / 2 / 2011م - 11:18 ص - العدد (20)

اشتهى نفساً موحشاً بدخان سيجارة. مـدّ يده اليمنى إلى جيبه، وقبل أن تصل أصابعه العلبة؛ انقبضت وعادت اليد كلها إلى خارج الجيب..!

قال في نفسه: "الهواء طليق هنا، ولا أثر يبقى لدخان. هنا، على السطح، الرائحة بحجم الأفق. الأفق بإمكانه ابتلاع كل أنفاسي المختلطة بأنفاس السيجارة"..!

انتبه إلى ما يمكن أن يقدم له الأفق من رحابة. شيء ما أعطى وجنتيه حركة صغيرة لرسم ابتسامة. لكن الابتسامة انطفأت..! مسح عن جفنيه قطرات عرق مالحة تسربت إلى عينيه. شعر بالحرقة في عينيه. استخدم طرف غترته. شدّ نفساً ملفوفاً بحرارة الشمس، احتضنته رئتاه. قطّب قليلاً وهو يطالع الأفق. لم يلمح غيمة واحدة، ولا حتى ضائعة.

قال في نفسه: "صيفنا لا يقترف حتى كذبة السحابة. وهذا السطح الهارب من كل الظلال أعجبه أن أكون صاحب الظل الوحيد لديه".

أطبق جفنيه على قطرات مالحة. اشتدّت الحرقة. أنفاسه الحارة اشتهت دخان سيجارة من جديد. طالع في ساعته، وجد الظهيرة على وشك الاحتضار.

سأل نفسه: "أين يذهب عقب السيجارة إذا ذهب دخانها..؟ هذا الأفق الواسع أضيق من أن يفسح مكاناً لعقب سيجارة".

سمع صوت صراخ. شيء ما يحدث هناك. كانت ضربات قلبه هي الإجابة التي لا يرتاح لها في هذا الظهر الخاوي من الظل. استند إلى الحائط. وبسرعة تعـرّق جسده من جديد، تبللت ثيابه، ارتجفت ركبتاه..!

"هل تشم رائحة الموت..؟".. سأل نفسه..!

واصل: ".. الموت؟.. النهاية..؟ بعض النهايات تجرّ معها بداية جديدة. الموت في هذا المكان اللافح لا يكفي لإنجاز بطولة..! حين مات روميو اعتبرته كل الشعوب بطلاً".

قال: "لكنك إذا متّ، هنا، فلن يعتبرك أحد بطلاً..! وجودك تحت ظلّ مغامرتك الحمقاء لا يفضي إلى بطولة. وإذا اعتبرت نفسك مثله فتلك كارثة جديدة. مشكلة روميو و جولييت أنهما كانا مجرد مراهقين مندفعين.. لا أكثر.."!

سأل من جديد: "وأنت"..؟

أجاب: "مجرد مغامر امتلأ لسانه ادعاءات كثيرة، وحين ارتجّت الأبواب هرب إلى الأفق. هذا الأفق يعطيك السماء كلها.. خذها.. جرّب الطيران.. على الأقل جرّب التسلق.. جرب التجربة المعاكسة لتجربة روميو.. روميو تسلق.. انزل أنت.. إذا سقطت فاسقط على قدميك..! لا تقف هنا في انتظار نهاية مجهولة، اصنع، بنفسك، نهاية لهذه الظهيرة. أخرج قبل أن…!"

التفت إلى أنه يمعن السخرية من نفسه. أحياناً نجد في السخرية حضناً نلوذ به، لكنها، في تلك الظهيرة، لم تكن ملاذاً. كانت خليطاً من الندم والسخافة. تذكر صديقاً قال له يوماً: "ستكون نهايتك على يد المغفل". لكن المغفل لم يأتِ بعد. ربما لم يعرف بعد. إنه مغفل وتكفي غفلته لأن لا يأتي.

قال لنفسه: "لكن المغفلين لا يحتملون اكتشاف غفلتهم. كثير من الرجال مغفلون. بعضهم يفضل غفلته.. يتلذذ بكونه لا يعلم.. العلم يحطم الأعصاب.. ربما يصنع ما هو أشنع. لذلك يتظاهر بعض الذين يعرفون أشياءً بأنهم لا يعرفون شيئاً.. أبداً"..!

"ومغفلك" - قال في نفسه - "قد لا يكون من هذا النوع. من صالحك أن يكون من هذا النوع. اطمئن. إنه ليس من النوع الذي يثور إذا اكتشف أنه مغفل. إنه لم يأتِ بعد، والساعات التي تآكلت بحرارة الشمس كانت تكفيه لأن يبحث عن شيء يعرفه، لكنه لم يفعل.. اطمئن إنه مغفل بدرجة تساوي رعبك الآن، فلا داعي لهذا الرعب.. أشعلْ سيجارة.. أنت والسماء ولفحات الشمس أصدقاء الآن.. حاول أن تنسى.. إنها مسألة وقت.. وقت لا غير"..!

الوقت هو آخر المتأثرين برعب ما يدور تحت الشمس. الظهيرة التي توشك أن تحتضر عادت إلى بدايتها من جديد، الدقائق لا تمر من هذا السطح. أسوار السطح تغري بمغامرة جديدة، مغامرة هروب. لم يستجب للإغراء، لا حاجة للدخول في متاهة أخرى. البطولة التي أوصلته إلى حضن السماء العاري لم تُنجَز بعد. إنه حاول، وأطلّ مراراً، وحدّث نفسه بالعودة إلى جدران "البيت الكبير" ونزقه الطفولي البريء والسخيف والمشاغب. غير أنه صرف تفكيره عن ارتكاب حماقة إضافية..!

فجأة؛ تصاعدت ضربات قلبه.. شعر بانهيار.. بالنهاية.. صوت مفتاح في الباب.. "اهرب" - قال في نفسه - "الجدار.. اقفز".

قدماه مكانهما، ركبتاه ترتعدان.

"المغفل ليس مغفلاً.. قد يتخلى الآن عن غفلته، عن كل شيء.. اهرب!".

"المفتاح يدور في القفل.. ماذا تنتظر؟ إنها نهاية البطولة. لست بطلاً. أمامك باب.. وقفل.. ومفتاح.. ووراءك جدران.. وسماء.. ليس لك مكان في رحابة السماء.. اختبئ من وجهك.. اهرب من هذا القفل والمفتاح والباب، اهرب منك"..!

المفتاح يدور: تريك..

رنّ في أذنيه الصوت، اهتزّ الصوت في عنقه، هاوياً، وصل إلى الدمدمات المرتجفة في صدره. السطح كله يرن: "تريك". الأرض كلها ترن: "تريك".. شمّ في أنفه رائحة تشبه رائحة دخان.. لم يكن دخان سيجارة، رائحة ترنّ: "تريك"، كل شيء، في هذا الفضاء، اختلط بالصوت القادم من قفل الباب..

قال في نفسه: "الباب.. إنه الباب.. الباب ينفتح على نهاية.. إنه أنت.. أنت ومغفلك وجهاً لوجه.. ماذا تنتظر من الباب؟

.. انفتح الباب على خطوات مرتبكة على درجات السلم.. تأكد أنه لم يكن بطلاً. كان جزءاً من وقت مجنون التهم غباءه، وحين طالع في عيني المغفل وجدهما ترفضان معرفة شيء.. كانتا هاربتين.. لا أكثر..!

370314