ليلى العثمان و "الحواجز السوداء"
تحطمت الحواجز.. والحـداد ما يزال قائماً
مليحة الشهاب * - 27 / 2 / 2011م - 11:20 ص - العدد (20)

ثمة جاذبية تأخذك إلى الدهشة والبكاء.. الدهشة بنبض بالحياة.. والبكاء للدماء النارية التي تتدفق في عروقك فتلهب مشاعرك، وليس أمامك إلا ذرف الدمع لإطفاء النار..!

ومن أول سطر لآخر سطر.. في (الحواجز السوداء) تأخذك ليلى العثمان إلى واقع مرير قاست أيامه لحظة بلحظة.. كنخلة تشبثت بالأرض رغم العطش والجفاف والنار، وركض خيالها في أرض المأساة دون أن تسف بالافتعال وحقنه في شرايين الحدث ومن ثم فعل الكتابة والإبداع..

بل أن الحدث هو الذي يعزف على أوتار القلب والروح فتنسكب الحروف حارة نابضة بالصدق المطلق.. هذه الواقعية والشفافية أخذت أكثر من بعدها القصصي و تجاوزته إلى البعد التاريخي.. وبالتالي فإن ليلى العثمان لم تقص بقدر ما كانت تؤرخ لفترة خليجية عصيبة ومريرة..

وهي لا تحاسب بقدر ما تسجل وتصور ما أفرزه واقع الغزو العراقي للكويت. وهي لا تكتب بقلم حاقد.. بل بقلم مفجوع يملك الوعي المطلق ليُفَرِق بين الحكام والشعوب..

وهنا؛ فإن الضحية البريئة هي التي تتحدث، هي التي تبوح، هي التي تصرخ، هي التي تصف، هي التي تجسد أمامنا ما رأته وتجرعته وقاسته.

هنا الحقيقة المطلقة تعرب عن نفسها، الحزن ينفجر، الفاجعة تتحدث.. وليس أمامنا إلا أن نصغي ونصدق ونتفاعل..

وإذا كانت هذه المجموعة للأدب فهي أيضاً للتاريخ.

البطاقة

في هذه القصة تروي (الضحية) ماذا حدث حينما أخذ الجندي العراقي بطاقتها الكويتية.. (يلقي بالبطاقة على الأرض، يدوس عليها "يسحكها" على الإسفلت.. " آه يا وجهي الجميل"..). الآه خنجر انغرس بين ضلوع المتلقي..

(النذل يسحق وجهي تحت أقدامه...لا أجرؤ أن أنحدر من السيارة وأرفع وجهي أمسح عليه أعتذر له، وأحضنه بناظري كي يستعيد ابتسامته..)

إن البطاقة هنا تستمد قيمتها من كونها رمزاً للوطن.. إنها في هذه اللحظات تجسد الوطن ولابُدّ من استرجاعها.. إنها الحرب غير المُعلنة.. ومن يفرط في بطاقة ترمز للوطن كمن يفرط في الوطن.. وهل هناك أغلى من الوطن وبالأخص عندما يكون منبع الخير والعطاء والحرية..

"علم يلوح بقلبي، نخلة تكبر داخل عروقي، وجه مدينة قديمة كان لها عطر بحر وسور وأمان، أعراس وأعياد تهتف بي: لا تيأسي.... مدينتي تواسيني..".

في اللحظات الأولى يظن القارئ أن استعادة البطاقة أمرٌ مستحيل.. كيف يتم ذلك في ظل المعطيات المنطقية.. ضعف تام أمام قوة مطلقة.. !!.. ولكن ربما لأنه العدل المطلق، وربما الإرادة الصلبة يساندها العدالة والحق تجعل ما نسميه ضعفا ينتصر.. "سحبها وقذفها من النافذة.. سقطت بحضني سقوط طفل يعود إلى لأحضان أمه..".

غريبان في عمان

إذا كان البعض فُجِعَ بتصرف النظام العراقي الأهوج.. فأن الكويت بأسرها فُجعت إلى حدّ الموت بموقف بعض الأخوة العرب.. وليلى تسجل ذلك..

"يصرخ الطفل في وجه أمه:

- لا أريد أن أسافر.أريد الكويت.

احتقنت عينا الأم بدمعة حزن وحقد.ردّت بصوت أقل صراخاً:

- الكويت لا تريدك..

آلمك هذا الاتهام.لاح الطابع البريدي القديم أمام عينيك وهو يحمل شعار: "الكويت بلاد العرب". مدينتك الحنون لم ترفض أحداً، لم تغلق بابها في وجه من جاء ساعياً للرزق والعطاء، تكاثروا، وفاقت أعدادهم أعداد شعبك.كيف لا يتذكرون.

وددت لو صرخت:

- مدينتي لم ترفضكم، لم تطردكم، صار الدم ماء، وفقد بعضكم الوفاء".

هذه التسجيلات الصغيرة والدقيقة أبلغ وأهم وأقوى من أي خطاب سياسي مفوه.. الحقيقة تتحدث بلسانها ولا أحد يتحدث نيابة عنها.. هذا هو الأدب الخالد.. لناس تصدق الأديب ولا تثق بالسياسي.. لذلك كان الأدب أهم من السياسة.

ما قاله أبو صالح.

هذه القصة تبدو للوهلة الأولى أنها من نسيج خيال الكاتبة ولكنها من صميم الواقع والحقيقة..

فأبو صالح الذي كان يحذر الناس من الشر المحدق بالمدينة؛إنه يمثل تلك الأصوات التي كانت تبدو غريبة ومنبوذة والتي حذرت من شرّ صدام وربما تكون الكاتبة إحداهم..

وما تشبث بوصالح بأرضه إلا تشبث الكاتبة بتراب وطنها ورفضها المطلق فكرة الرحيل، ورفعت شعار "كل الأوطان لا تكون الوطن".

قصة الإصرار والصمود والتشبث بتراب الوطن المغتصب ورفض الهروب؛ تناثرت خيوطها الواضحة في ثنايا قصص هذه المجموعة..

فإذا كان الكتاب يحتوي على إحدى عشر قصة فالقارئ يخرج باثني عشر قصة تجمع خيوطها القراءة الواعية من قبل القارئ..

"يوم دخل الغزاة مدينتك الهادئة، تصورتِ الناس يتشبثون بعروقها، لكن الفزع حمل الكثير إلى المنافي، ووطأة الحزن تزيدك إصرارا.غرست وجهك في التراب. وفتحت أظافرك قنوات لدمعك؛ لن أرحل سأبقى هنا حرة حتى أموت.." ولكن قلب البركان قوة طاردة لا يستطيع الصمود أمامها إلا من أراد الموت.. "الموت في قلب الكويت أشهى".. ولكن من تسربلوا بالذعر الأكبر لا يتوقفون عن الإلحاح والنصيحة بالرحيل.. "دعوة للخروج تشقيني وأغنيات الحنين آتية من المحطات البعيدة تضاعف إصراري أن أبقى حتى تعود الأرض وأنا في لحمها نخلة وفي بحرها قطرة..".

"كما النخلة كنت تلك التي ترقبينها كل يوم تجف وتنحني، لكنها راسخة لا تغادر، وأنت في صمودها تستقين القوة والصبر.مرّ ألف غروب قبل أن تصافح الشمس المدينة والنخلة وتتشبع رئتاك بعطر الحرية.."، "رحلوا أخيراً، تركوا بصمات جنونهم، وسحائب حرائقهم وخشونة أصواتهم.."، رحل الطاعون ولكن بقيت جراحه، آثاره.. رحلوا ولكن الحداد ما يزال قائماً.. رحلوا "والنفط ما زال يدفق حريقه الأسود إلى الصدور بانتظار يزفره ذهباً إلى أحضان "الأصدقاء"..".

الغزو؛ "قهر.. حزن.. خوف.. أحلام توشك أن تموت.فزع.. ودموع…".

والأمريكان؛ "إنهم أسياد العالم، يمتصون دماءه ويصدرونها ثانية بشكل إغاثات وإعانات..".

الكاتبة ممزقة بين حب العروبة وحب وربما الولاء للذي أنقذها من ظلم الأخ.. إن حب العروبة يسري في دمها، يتشبث بمسامات جسدها، ولكن:

"- العراقيون احتلونا، وقتلوا الناس.

بهدوء شديد نبهتها:

- (الحواجز السوداء) لا تقولي العراقيين، قولي صدام حسين وزمرته الطاغية، الشعوب لا ذنب لها.. ويجب أن نظل نحبها..".

الكتاب رائع وتكمن روعته في صدقه.. والصدق يبلغ الذروة في "حواجز مختلفة الوجوه".. والحواجز ما هي إلا نقاط التفتيش التي انتشرت في شوارع الكويت أيام الغزو.. فإذا كانت مساحة للاضطهاد فهي أيضاً مكان للتعبير عن الرفض، القهر، والألم..

ففي هذه الحواجز تتجسد لنا الحقيقة عارية إلا من بؤسها.. لا تحتاج إلى وصف.. إلى محسنات بديعية.. إلى صور بيانية تقرب لنا ملامحها الشجية.. بل بؤس كلماتها البسيطة تشرح بوضوح كل حقائق البعد المأساوي الموغل في السوداوية المُرة.. وحسنا فعلت الكاتبة عندما قدمت لنا هذه الحواجز بوجوهها العارية من الوصف والصور.. الخ.. لأنها ستعمل على إفساد الحقيقة إذا كانت بهذا التجلي الموغل في الوضوح المأساوي..

تقول الكاتبة في مقدمة هذه الحواجز: "أردت من خلالها أن أسجل لتلك الفترة المعتمة وأن أكون في نفس الوقت "واقعية جداً"، وأقدم هذه الحواجز، بوجوهها المختلفة. إن طبيعة الإنسان تحمل النقيضين:الخير والشر، فان كان عنصر الشر هو الغالب، فإن بعض الوجوه كانت تتنفس حقدها، ورفضها الاحتلال ونظامه الغاشم".. في حاجز رقم 5 دار حوار بين الضحيتين.. (ليلى والجندي):

- نحن مثلكم "شاربين السم".

- تشفق علينا حضرتك ؟

- وأشفق على نفسي وعلى أولادي.

- تتركون أولادكم وتأتون تقتلون أولادنا.

- إذا لم نفعل يقتلون أولادنا أهلنا.

- وأنتم ألن تموتوا هنا ؟ الحرب قادمة !

- يا ليت.

- تتمنى لو تموت.

- لا. أتمنى الحرب.ربما تحررنا بعد أن تحرركم، فنحن أيضا مساكين.

- الحرب ستدمر.

- أكثر من هذا الدمار؟؟

- تبدو يائساً !

- وحزين، أتعذب، "ودي أشوف عيالي".

- أن شاء الله تشوفهم، وتشوف العراق حرة.

- والكويت أيضاً.

هل الكويت مدينة بريئة..

هل الكويت ضحية..

احتلال الكويت صدمة مُريعة.. ولكنها ولله الحمد حُررت من براثن الشر..

هل الكويت بالفعل تحررت.. أم أن التحرير جاء ناقصاً..

ماذا بعد التحرير..

هل نُبقي على جرح الغزو مفتوحاً ونظل أسرى لفجائعه ولآلامه..

هل الكويت تحررت مادياً.. ولكنها معنويا ما تزال في قبضة الاحتلال..

"- كيف ننسى ونطهر ذاكرتنا لنغزل ثانية ذكرياتنا الأحلى التي تساقطت..

- أظن أن الأمر صعباً.. كيف ننسى..؟

- سنحتاج لسنوات.. ربما لعمر..".

أخوتي الكويتيين:

ليس أمامكم سوى النسيان.. عليكم بوضع بلسم المحبة على جراحكم الغائرة لتسكن مواجعها، بعدما تعافيتم مادياً..

غزو الكويت كان نتيجة تكاد تكون طبيعية لتقديراتنا الخاطئة.. فبالتالي نحن قد نكون مشاركون في ذلك..

علينا أن ننسى لنعيش عيشة طبيعية.. علينا أن ننسى ليسكنا الحب من جديد، وننسج أحلى الأحلام..

علينا أن ننسى ليكون المستقبل أجمل وأفضل لأجيال قادمة بريئة لا ذنب لها

ناقدة، السعودية.
363661