حديث الضباب
د. ثريا العريض - 27 / 2 / 2011م - 11:21 ص - العدد (20)

حين يملؤني الطارق المستطير

رهاباً بأسئلة البلبلة

أغامر أن أجد الدرب منِّي إليَّ

ويعتسف الوقتَ شيءٌ أسميه..

-أو لا أسميه..-

يبقى على هامشٍ من ضباب

يحاور فيَّ الصبابات

عالمة، غافلة،

* * * *

خوفي من الليل في زحمة الدرب

إذ يستطيل يطيل انتفائي

.. يحاصرني في انتفاء الجهات التقائي

بأشباح ما مرَّ.. ما سوف يأتي

ولا ألتقي في مداه المغيهب غير طلاسم ذاتي

تذوب بموج شواطئها.. تستحيل هلاما

يعاندني حيثما أحتفي رغباتي

يتصاعد حتى النهايات مثل البخور

ويربكني في تناقض أزمنتي السائلة

* * * *

ويا أيها الصمت-

يا سرَّ ذاتي إذا ما احتواها الضباب

حافلاً حين تأتي تحاورني بالوجوه

وأصدائهم وحفيف الغياب:

قولي - لِكلِّ الذين يصرّون

أن النقوش استقرت بهم،

وأن الحقائق ليست سوى زهو ذروتهم،

وكلِّ الذين يصرُّون أن المصير

انتفاءة غفوتهم حيرة زائلة،

وأن الطلاسم ليست سوى رهبة مجفلة -،:

أين كلُّ الذين استقروا ومَرُّوا؟ وما

خلَّدوا من حقائقهم غير نفس الستور

وما تركوا من معالمهم غير إيماءة الزلزلة؟

ضبابٌ يمور بهم في الحقب.

مثلما استنسخ السابقون تصاويرهم

فاقعٌ لونها، هائلٌ حجمها، استخلفوا وهمَهم

أنهم سوف يبقون - لكنما

بملامح غير ملامحهم.. إنما

خلّدوها كما أعجبتهم..

كما رغبوها-

عيوناً من اللازورد

وأوشحةً من ذهب

* * * *

قبل وجهك،

-هذا الطفولي، معتصمٌ بالسحب-

مرَّ ركب الطوال المجاهيل.

ما خفّفوا وطأهم في التراب

ولا ظِلَّ أسمائهم في السحاب

رقصوا وانتشوا،

استفحلوا،

عشقوا الأوج، واستبشروا بالسراب

نقشوا بعض أوهامهم في الحباب

* * * *

كيفما يرِدُ الحائرون مناهلَهم

تفاجئهم

عكراً لا يطاق ولا يستساغ..

رغاماً

ولا غيرها زبداً أو صراحا

يعيد السطور التجاءً إلى الوهم

يمجّون أرواحهم

يستزيدونها عتمة وكلاما

يستزيدونها سغباً..

رغبةً ممحلة

* * * *

مرّ كلُّ الذين احتفوا جذوة الأسئلة

أشعلوا ومضها.. أرضها.

استعجبوا

لامسوا الأفق فانتهكوا طُهرَه

واستبدَّ بهم

واستفاقوا على قهرِهِ عُريَهم

بعضٌ نياماً.. وبعضٌ

هلاماً.. وبعضٌ حماما..

وبعضٌ توهّهمَ في ذاته عجباً ليس له

* * * *

ثم جاء الضباب الأخير

لامسوا الوقت فارتعبوا

.. لامسوا الأرض واحتجزتهم سواداً

على جمرها بارداً خامداً ورمادا

فيه آصرة الزمهرير

الذي سوف يأتي

ولا ردَّ له

فيه زحف الصقيع بآماقاهم

فيه ما لا مردَّ ولا دفعَ له

* * * *

تكاثر في صمتهم همُّهم

غياهب ذاك السؤال الذي لم يجد

غير أسرار من فقدوا في السراة

مفاتيح تلك اللغات

لا الذين بنوا برج بابلّ أدركهم صبحُها

ولا لمسوا ما وراء امتداد الجهات..

كلُّهم بعد وهم التكاثر باد

كلُّهم.. كلُّهم..

ما تبقى أحد.

لا من تعلَّق ذات العماد

ولا من تعملق..

لا من تفرعن..

لا من تألَّه..

ظلَّ

سوى لمحة من سؤالٍ بيومٍ مطير

يذوِّب طود الصخور وأوتادها

يواجهني في السطور

بأطيابها كالبخور

وعود المحال التي عانقتها البلاد

* * * *

قيل: فانتحبوا حينما

لاتها ساعة الانتحاب

ومضوا كلُّهم..

كلُّهم؟..

كلُّهم..

واستمرَّ الضباب..

370314