الطريق إلى الهزيمة
جعفر الجشي - 28 / 2 / 2011م - 2:50 م - العدد (21)

كثيراً ما نقترف شهوة الحكي ،لنطلع الآخرين على ما في ذواتنا من تراكمات مثقلة بماضٍ أشبه ما يكون بتركة أو عبء لا بد من إفراغه.. وكأننا نمارس إثماً من نوع ما، لكننا نكتشف أننا أمام حقيقة متجلية هي حلم في طريقه للخروج إلى عالم الواقع.

بين الجنون والإبداع هناك مسافات شاسعة نحاول أن نقربها دائماً.. نحاول أن نضع لها الحلول، وثمة جدران شامخة تقف في هذا الوسط العائم، ننسجها عندما نعتقد أننا صادقون مع ذواتنا بينما نحن نمارس الخيانة معها كلما أتيحت لنا الفرصة، وندعي أننا نتساوق معها وهي لا تملك إلا الإذعان.

الحقيقة أن الذات لدينا ضعيفة لدرجة الشفافية ،وهو الأمر الذي يجعلها دائماً معرضة للانكشاف والتعري أمام الآخرين وأمام الواقع.. لعل الراوي يعرف هذه الحقيقة فيقوم بكشفها لنا، فهو يمارس الهيمنة الكاملة على كل الحقائق المنبثة داخل النص ولا يعطي المجال لأناه أن تتلذذ بتعريها وانسحاقها، فحتى دخان سيجارته لا ينطلق بشكل متكامل حيث أنه يختلط بمختلف أنواع الهواء المحجم بمكان لا يستطيع مفارقته.

ولكي لا يعطي أناه المسكينة فرصة، سواء في مجال الإقدام على أمر ما أو حتى على المشافهة والتخاطب فهي دائماً إلى الانكماش أقرب فهو ً في ترقب وتوجس من الآتي ..الغامض.. أو اللغز الذي سيقضي على كل آماله في الخلاص (الانتحار أو التقدم).

وإذا كان الانتظار هو الدواء المر فإن الراوي هنا تجرعه حتى الثمالة ،ومع ذلك فلم يقدم له أي إضاءة ،أو حتى ثغرة ينفذ منها للخروج من النص وقوقعته فاضطر لأن يخنق نفسه، وهو ما أدى إلى خنق اللغة أيضاً وجعلها تسير في خط مواز للمعاناة والقلق الدائم، فهي لغة متوترة ..متوثبة.. حاضرة للاشتباك مع الألم، ولا نستغرب أن يكون الشعر هو الأداة المفضلة .. بل ربما الأداة الوحيدة القادرة على اجتياز هذه المحنة العصيبة.. وكان اللهث والجري المتسارع للإمساك بلحظة هي أقرب إلى السراب ،إذ ما إن يصل إلى مبتغاه حتى يدرك أنه ما زال في البداية.

ومع ذلك جاءت اللغة صادمة لا تفضح نفسها ولا تنقاد إلينا بسهولة ،كما نتصور منذ بداية المفتتح، إذ أنها سرعان ما تختبئ خلف هذيان السارد وشطحاته مع سيجارته الممزوجة بالهواء الحار المختنق في تلك الظهيرة القائظة التي لا هم لها سوى حرق أكبر قدر ممكن من المفردات والتطاول على أجزاء النص لتحيله إلى ذرات من القلق.

ومع الهذيان المستمر تختلط التجارب الحقيقية بالوهمية ويستحضر السارد تجربة روميو مع معشوقته جولييت الذي مارس عملية صعود إلى الأعلى بإخلاصه وتفانيه وحبه لعشيقته واستعداده للموت من أجلها ،ويحاول التمازج معها ولكن في عملية عكسية مضادة، فإذا كان الصعود البدهي المتعارف عليه إلى الأعلى فإنه يقترح على أناه (في عملية أشبه بالجنون) الصعود إلى الأسفل والموت – كما يموت الأبطال- واقفاً. أن لا يعتريه الخنوع والذل وإنما يقبل بالموت واقفاً على الحياة المضمخة بالركوع.

والجنون إذا حضر لا نهاية له، فقد يأتي بصورة هذيان وقد يتغلغل بشكل حمى من الخوف من المجهول.. الخوف من المستقبل الغامض الذي يدخره لنا ماضينا المعلوم المليء بالزهو وربما بالذل.. والنهاية إذا لم تكن ماحقة فإنها لن تكون بأي حال من الأحوال في مصلحة (السارد) لأنه نسج لها أحبولة لم يكن سواه هو المصيدة.

وما تبرير السخرية من النفس والهزء بها ورميها بالجنون والغفلة والغباء سوى واحدة من تلك الحبائل التي نصبها "المغفل ليس مغفلاً.. قد يتخلى الآن عن غفلته عن كل شيء.. أهرب"  .

ويحاول بشيء من الذكاء أن يضع له نهاية لهذه الأزمة التي وضع نفسه فيها وراح يبشر بقرب هذه النهاية وأنه لا بد له من ممارسة الشجاعة لوضع هذا الحد ولا يهمه أن تكون في صالحه أو حتى في هلاكه لأنه قرر أن ينهي مهرجان البطولة باتخاذ قرار لا شك أنه صعب، فإما الاقتحام أو الموت ..إما المعرفة أو الجهل، وإذا كان العاقل يعرف أشياء كثيرة قد توصله إلى الهلاك فإن المجنون له عقول كثيرة لكنه لا ينتفع بها دائماً.

ويتصور - هذا السارد - أنه أوصل نفسه إلى حافة النهاية حين أوحى لنا بقرب انفتاح الباب وولوج المفتاح فيه.. بيد أنه نسي أن انفتاح الباب يعني انفتاح النص مرة أخرى ومجيء احتمالات أخرى هو في غنى عنها لأن نهاية الطريق أصعب ما فيها عدم المقدرة على الرجوع مهما كان مقدار الخوف المترسب داخله، ولذلك فهو يجترح البطولة ويوصلها إلى النهاية حتى مع معرفته بخسران الجولة، لكن ذلك سيعطيه فرصة للخلود - كما روميو على الأقل - فهو هنا يراهن على ذاكرة التاريخ - المستقبل الذي هو مقياس راق للبطولة التي يزعم أنه يبحث عنها.

ويوصلنا هنا إلى مسار هو بمثابة ذروة الصراع المحتدم داخل النفس التواقة إلى المزيد من الراحة فهو إذاً اكتشف أنه غير متواطئ معها عند هذه النقطة ولذلك يشتد النزاع بينهما، وتبدأ عملية الهروب في الاتجاه المعاكس وليس في الاتجاه المقابل إذ أن الأخير يعني الموت، بينما هو يكتشف في اللحظة الأخيرة أنه يريد الهروب من نفسه هو.

370314