تحولات العالم..والسؤال المعرفي
التحرير - 1 / 3 / 2011م - 7:20 ص - العدد (22)

يرافق التحولات الكبرى التي تجري في العالم، وعلى مختلف الصعد والمستويات، الكثير من التساؤلات والاستفسارات. وقد أغرق هذه التحولات الجميع بممارسة السؤال والتساؤل، ومواجهة اليقينيات السياسية بالمزيد من أسئلة الشك والنقد والتقويم. فالعالم اليوم يمتلئ باليقينيات على مختلف الصعد الإنسانية، كما يمتلئ بأسئلة الشك على مختلف المستويات. لذلك لا يمكن أن تموت الأسئلة في عالم يموج للأسئلة، ويستدعي الإثارة والبحث، فلا مناص من السؤال والتساؤل، مهما بدا العالم متقدماً ومتطوراً. ولابد من توسل السؤال والنقد حتى ننجو من الزور والرياء والمخاتلة وخطاب المطلق الذي يخفي الكثير، ولا يظهر إلا القليل والنادر. وكل منظومة فكرية لا تقبل السؤال وتقمع النقد والمساءلة فإن مآلها السكون والموت.

نحن هنا لا ندعو إلى التشكيك في نوايا السائلين، وإنما نؤسس لمواقع السؤال والنقد في مسار الحقيقة وإثراء الفكر والمعرفة. والكائن الإنساني لا يمكنه أن يمارس إنسانيته وعقلانيته وشهوده، إذا لم يمارس السؤال والبحث المضني عن الأفكار والحقائق. والأفكار دائماً بحاجة إلى التطوير والتراكم، والسؤال مدخل من مداخل تطوير نظام المعرفة والتفكير. ونحن لا نعني بهذا، أن الناس مفطورون على السؤال والتساؤل، ولكن ما نريد قوله: إن حياة الإنسان الحقيقية مرهونة بقدرته على استعمال عقله، لكي يكتشف الحقائق بنفسه، ويعرف الحدود الفاصلة بين القضايا والأمور، بين الوسائل والغايات، بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وكلما ارتفعت حقيقة استخدام العقل لدى المجتمعات الإنسانية، كانوا هم أقرب إلى النجاح والسعادة. فلا تنمو المجتمعات حضارياً إلا بالمزيد من استخدام العقل، لأنه هو الذي يمنح المجتمعات ماء الحضارة وعصب التقدم. فلا حياة بلا تساؤل، كما أنه لا أفكار ناضجة وحيوية بدون نقد وتقويم وتطوير. ولا يمكننا أن نقارب أي ظاهرة من ظواهر الاجتماع والوجود بلا تساؤل، فهو لازمة لمختلف الظواهر، ومن دونه لا وجود لثقافة تريد أن تشق سبيلها إلى الدينامية والفعالية. لهذا من الضروري الاهتمام بأسئلة الواقع، والإنصات إلى الأفكار النقدية، التي تتجه إلى الوقائع والحقائق القائمة، للاستفادة منها، وإزالة ركام عهود طويلة من السكون والهمود الفكري.

وفي هذا الإطار ينبغي التأكيد على النقاط التالية:

1- لعل من الأخطاء الجسيمة، التي قد ترتكبها المجتمعات بحق نفسها ومستقبلها، هي حينما توجد حاجزاً نفسياً وعقلياً بينها وبين أسئلة واقعها وتحديات راهنها. لأن هذا الحاجز، يمنع الكثير من الفوائد التي يجنيها المجتمع لو أنصت بشكل إيجابي وفعّال إلى أسئلة راهنه.

إن الإنصات إلى أسئلة الراهن، امتلاك حساسية شديدة لالتقاط المهم والضروري من هذه الأسئلة، ومن ثم التفاعل المعرفي والمجتمعي معها، تعد من أهم وسائل تطوير المجتمعات وتقدمها. لذلك من الأهمية بمكان، العناية بأسئلة الواقع، وبذل الجهود من أجل اكتشاف ومعرفة جواهر هذه الأسئلة وأهمها، حتى يتسنى لنا كمجتمعات الاستفادة منها، لكي نواكب الراهن، ونستعد الاستعداد الأمثل لمواجهة التحديات والصعاب.

فما يجري في العالم اليوم من أحداث وتطورات وتحولات مليئة بالدروس والعبر، ولكن المجتمع الذي لا يعتني العناية الفائقة بأسئلة حاضره وراهنه، فإنه حتماً سيمنع عن نفسه الاستفادة من هذه الدروس بما يخدم واقعه ومستقبله. فلا نستطيع مواكبة العصر، إلا بالتواصل الفعّال مع أسئلة الواقع، والتفكير الجاد في بلورة إجابات عليها. أما الانزواء من الواقع بهواجسه وتحدياته، والهروب من العصر بآفاقه ومجالاته واحتمالاته، فهو تخلٍّ عن دورنا الطبيعي في الحياة، ونكوص على أعقابنا، وهروب من مصيرنا ومستقبلنا. وإن الأمم التي تهرب من عصرها، تفسح المجال واسعاً لخصومها وأعدائها لصياغة راهنها ومستقبلها.

2- لكل حقبة جديدة ومتكاملة عن مسارات الواقع ودروبه، حتى نتحاشى الأخطاء القاتلة والمميتة. كما أن لكل حقبة وعصر معايير خاصة للتقويم، نابعة من ظروف ذلك العصر، ومتطلبات الأمة وأولويات عملها. والجمود عند معيار ثابت في تقويم الواقع، يخرجنا من دائرة الشهود، ويجعلنا عرضة للأحكام الخاطئة والتصورات المشوهة.

وجماع القول: إن التواصل مع الواقع، والإنصات الحيوي إلى أسئلته وتحدياته، هو الذي يوفر لنا القدرة على تحديد متطلبات كل حقبة وأولوياتها الخاصة والعامة.

358521